بعد طلاقي منها بشهرين، لقيت طليقتي لوحدها في المستشفى وشعرها اتقص ووشها شاحب ولما مسكت إيدها عرفت سرًا خلاني أندم إني طلقتها!
وأول ما عرفتها، حسيت إن حاجة جوايا اتهدت تمامًا.
عمري ما كنت أتخيل إني أشوفها بالشكل ده تاني.
كانت لابسة جلابية مستشفى باهتة، وقاعدة بهدوء في ركن من طرقة المستشفى، وعينيها سارحة في الفراغ.
كانت باينة ضعيفة، مرهقة، وكأن وجودها مش ملحوظ لأي حد معدي من جنبها.
للحظة، نسيت آخد نفسي.
دي كانت مراتي السابقة، مريم اللي كنت مطلقها من شهرين بس.
اسمي أحمد، عندي 34 سنة، موظف عادي بحاول أعيش حياة عادية وخلاص.
أنا ومريم كنا متجوزين بقالنا 5 سنين.
من بره، جوازنا كان باين هادي ومستقر.
مريم كانت هادية وطيبة، عمرها ما كانت بتحب تكون محور اهتمام أي حد.
ومع كده، كانت هي اللي مخليّة بيتنا فعلًا بيت.
مهما كان يومي صعب، مجرد إني أشوفها أول ما أدخل من الباب كان بيهدّي حاجة جوايا.
زي أي زوجين، كان عندنا أحلام.
بيت يكون بتاعنا، أولاد، وأسرة صغيرة مليانة حب ودفا.
لكن بعد 3 سنين جواز، وبعد مرتين حمل انتهوا بخسارة موجعة، حاجة بينا بدأت تتغير واحدة واحدة.
مريم بقت أهدى من الأول.
الحزن ظهر في عينيها.
حزن عميق وتقيل، كأنه إرهاق مستمر مبقتش عندها طاقة تخبيه.
وأنا كمان اتغيرت.
بقيت برجع البيت متأخر.
وبهرب من أي كلام صعب.
ڠرقت نفسي في الشغل، والمواعيد، والساعات الإضافية، لأن ده كان أسهل بالنسبة لي من إني أواجه الصمت اللي بدأ يملأ بيتنا.
الخلافات الصغيرة بقت حاجة عادية.
مفيش خناقات كبيرة.
ولا مشاهد درامية.
بس اتنين مرهقين بيبعدوا عن بعض يوم ورا يوم، ومش عارفين يرجعوا يقربوا تاني إزاي.
ومش هكدب وأقول إني مكنتش غلطان.
أنا كنت غلطان.
في ليلة من شهر أبريل، وبعد خناقة تافهة تانية استنزفتنا إحنا الاتنين نفسيًا، قلت أخيرًا الجملة اللي ولا واحد فينا كان عنده الشجاعة يقولها
مريم... يمكن الأحسن إننا نتطلق.
فضلت تبصلي فترة طويلة.
وبعدين قالت بهدوء
إنت كنت واخد القرار من قبل ما تقولها، مش كده؟
ماعرفتش أرد.
هزيت راسي بس.
هي ماصرختش.
ماانهارتش.
والغريب إن ده وجعني أكتر.
كل اللي عملته إنها وطّت عينيها، وبعدها بساعات بدأت تجمع حاجتها.
الطلاق حصل بسرعة.
كأن إحنا الاتنين كنا بنجهز للنهاية من زمان، قبل حتى ما نمضي على الورق.
بعد ما كل حاجة خلصت، سبت البيت وروحت عشت في شقة إيجار صغيرة.
ودفنت نفسي في روتين مېت.
شغل طول النهار.
شوية مشروبات مع زمايلي.
أفلام بالليل.
وسكوت في كل حاجة تانية.
مبقاش فيه أكل دافي مستنيني في البيت.
ولا صوت خطوات مألوف كل صباح.
ولا صوت مريم الهادي وهي بتسألني
إنت أكلت ولا لسه؟
ومع ذلك، فضلت أقنع نفسي إني عملت الصح.
على الأقل...
ده كان الكدب اللي قررت أصدقه.
عدى شهرين بالشكل ده.
وعشت كأني شبح.
في ليالي كتير، كنت بصحى وأنا بعرق بعد ما أحلم إن مريم بتناديني باسمي.
لحد ما جه اليوم اللي غيّر كل حاجة.
روحت المستشفى عشان أزور صاحبي المقرب روحت بعد العملية اللي عملها.
وأنا ماشي في ممر قسم الباطنة، حاجة عند طرف عيني خلتني أقف فجأة.
بصيت ناحية الركن...
وشوفتها.
مريم.
⏩
كانت قاعدة بهدوء جنب الحيطة، لابسة جلابية مستشفى لونها أزرق فاتح.
شعرها الطويل والجميل اختفى.
قصته قصير جدًا.
وشها كان شاحب ونحيف.
وتحت عينيها هالات غامقة من التعب.
وكان جنبها حامل محلول.
اتجمدت مكاني.
أسئلة كتير ضړبت في دماغي مرة واحدة
إيه اللي حصل لها؟
ليه هي هنا؟
وليه قاعدة لوحدها؟
بدأت أمشي ناحيتها ببطء، وإيدي كانت بتترعش.
قلت بصوت واطي
مريم؟
رفعت عينيها فجأة.
ولثانية واحدة، ظهر على وشها خليط من الدهشة والتعب.
أحمد...؟
حسيت صدري اتقبض من الۏجع.
سألتها بسرعة
إيه اللي حصلك؟ إنتِ هنا ليه؟
هي على طول حوّلت عينيها بعيد عني.
وقالت بصوت واطي
مفيش حاجة... مجرد كام تحليل.
قعدت جنبها، ومسكت إيدها بحذر.
كانت ساقعة جدًا.
بصيت لها وقلت
مريم... أرجوكي متكدبيش عليّا.
بلعت ريقي بصعوبة.
أنا عارف إنك مش كويسة.
فضلت ساكتة كام ثانية.
وبعدين أخيرًا...
بدأت تتكلم ووو
حكايات زيزي
مريم فضلت ساكتة، وبصت لإيدها اللي كانت بين إيدي.
كنت مستني منها أي كلمة.
لكنها بدل ما تجاوبني، سحبت إيدها بهدوء وقالت
أحمد... إنت مش المفروض تكون هنا.
الجملة دي خوفتني أكتر من أي إجابة ممكن أسمعها.
قلت لها
يعني إيه مش المفروض أكون هنا؟ أنا شوفتك بالصدفة، ولقيتك بالحالة دي! قوليلي إيه اللي بيحصل.
رفعت عينيها ناحيتي، وكانت عينيها مليانة خوف غريب.
إنت طلقتني يا أحمد.
الكلمة نزلت عليا تقيلة.
عارف.
يبقى متسألنيش.
اتنهدت وقلت
حتى لو إحنا اتطلقنا، ده مش معناه إني أشوفك تعبانة وأمشي.
سكتت.
وفي اللحظة دي، ممرضة عدّت من جنبنا، وبمجرد ما شافت مريم، وقفت وقالت
مدام مريم، الدكتور طلب إنك ترجعي الأوضة.
مريم قامت بسرعة، لكن جسمها ما استحملش.
ترنحت.
لحقتها قبل ما تقع.
ولما مسكتها، حسيت إنها أخف بكتير من زمان.
بصتلي الممرضة باستغراب، وبعدها قالت
حضرتك قريبها؟
قبل ما أرد، مريم قالت بسرعة
لا.
الكلمة دي وجعتني.
لكن اللي وجعني أكتر إن الممرضة بصت لها بحيرة، وبعدها قالت
بس لازم حد من أهلها يعرف.
مريم وشها اتغير.
مسكت إيد الممرضة وقالت
أرجوكي... محدش يتصل بحد.
الممرضة سكتت لحظة، وبعدين قالت
ده مش قرارك لوحدك يا مريم.
وبعدها مشيت.
بصيت لمريم وقلت
إنتِ مخبية إيه؟
مردتش.
ليه مش عايزة حد من أهلك يعرف؟
فضلت ساكتة.
قربت منها وقلت بصوت أوطى
وليه قصيتي شعرك؟
إيدها راحت تلقائيًا لشعرها القصير.
وبصت في الأرض.
كان لازم.
لازم ليه؟
سكتت.
وفي اللحظة دي، باب أوضة قريبة اتفتح، وخرج منه دكتور ماسك ملف.
بص لمريم وقال
مدام مريم، إحنا محتاجين نتكلم مع حد من أسرتك النهارده.
مريم اتوترت جدًا.
وبصتلي للحظة.
الدكتور لاحظ نظرتها، وقال
حضرتك أحمد؟
قلبي دق بسرعة.
أيوه.
الدكتور سكت ثواني، وبعدين قال
ممكن نتكلم معاك دقيقة؟
مريم شهقت
دكتور... لأ.
بصيت للدكتور، وبعدها لمريم.
وساعتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد تحاليل.
قلت للدكتور
أنا محتاج أعرف الحقيقة.
مريم بصتلي بعينين مليانين دموع وقالت
أحمد... لو عرفت، ممكن ټندم إنك طلقتني.
اتجمدت مكاني.
الدكتور بص لنا الاتنين، وبعدين قال بهدوء
وده بالضبط السبب اللي مخلي الموضوع لازم يتقال دلوقتي.
ثم فتح الملف.
وأول ورقة شفتها كانت عليها نتيجة تحليل...
خلتني أنسى أتنفس ثبتُّ عيني على الورقة، لكن الدكتور قفل الملف قبل ما أقدر أقرأ أي كلمة.
قلت بسرعة
يعني إيه؟ إيه اللي في التحليل؟
الدكتور بص لمريم.
هي اللي لازم تقرر إذا كانت عايزة تقولك ولا لأ.
لفيت ناحيتها.
كانت واقفة ساكتة، ودموعها نازلة من غير صوت.
قلت
مريم... أنا مش هضغط عليكي. بس كفاية سكوت. أنا من حقي أفهم، خصوصًا إنك وصلتي للحالة دي.
هزت راسها بالنفي.
مش من حقك.
الكلمة وجعتني.
لكن قبل ما أرد، الدكتور قال
مريم، الوقت مش في صالحنا.
بصتله پخوف.
قدامنا قد إيه؟
الدكتور سكت لحظة، ثم قال
لو مشينا في الخطة اللي اتفقنا عليها، لازم نبدأ خلال أيام.
حسيت إن رجلي اتثبتت في الأرض.
خطة إيه؟
مريم قاطعتني
أحمد، امشي.
مش همشي.
أرجوك.
مش همشي غير لما أعرف إنتِ فيكي إيه.
رفعت عينيها ناحيتي، وقالت بصوت مكسور
إنت عايز تعرف الحقيقة؟
هزيت راسي.
قربت مني خطوة، ومدت إيدها للجيب الصغير في جلابية المستشفى.
طلعت منه ورقة مطوية.
فضلت ماسكاها ثواني طويلة، وكأنها بتفكر ترجعها تاني.
وبعدين حطتها في إيدي.
اقراها.
فتحت الورقة.
وأول سطر خلاني أحس إن الدنيا بتلف بيا.
كان مكتوب
التشخيص المبدئي...
رفعت عيني لمريم.
إنتِ عارفة من إمتى؟
ما ردتش.
بصيت للورقة تاني.
وقريت السطر اللي بعده.
وساعتها افتكرت آخر شهر في جوازنا...
افتكرت كل مرة كانت بتقول إنها تعبانة وأنا كنت فاكر إنها بس مش قادرة تتخطى اللي حصل.
افتكرت مرة لقيتها قاعدة لوحدها في المطبخ ووشها شاحب، ولما سألتها قالتلي
أنا كويسة.
وأنا صدقتها.
أو يمكن...
أنا اخترت أصدقها.
رفعت صوتي من غير ما أقصد
إنتِ كنتِ عارفة وإحنا لسه متجوزين؟
دموعها زادت.
أيوه.
اتسعت عيني.
وسكتي؟
قالت
كنت خاېفة.
خاېفة من إيه؟
مريم بصت للدكتور،
⏩
خاېفة أقولك... فتفضل معايا عشان تشفق عليا.
سكتُّ.
الجملة دخلت جوايا زي السکينة.
الدكتور تنحنح وقال
أنا هسيبكم دقايق.
ومشي.
فضلنا لوحدنا في الممر.
قلت لها
طب ليه قصيتي شعرك؟
مسحت دموعها وقالت
عشان العلاج.
علاج إيه؟
مريم سكتت.
وفي اللحظة دي، موبايلها رن.
بصت للشاشة، وشها اتغير فجأة.
قفلت المكالمة.
بعد ثواني رن تاني.
المرة دي ظهر اسم الشخص على الشاشة.
بصيت للاسم...
واټصدمت.
لأن الاسم كان
أحمد...
لكن مريم كانت بتبص للموبايل وكأنها خاېفة جدًا من صاحب الرقم.
قلت لها
مين ده؟
مريم قفلت الشاشة بسرعة.
محدش.
إزاي محدش واسمه أحمد؟
بصتلي بعينين مليانين ارتباك.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت الډم يبرد في عروقي
ده السبب اللي خلاني مخبية عنك كل حاجة مريم فضلت واقفة قدامي، والموبايل في إيدها بيترعش.
قلت لها
يعني إيه السبب؟ مين أحمد ده؟
ردت بسرعة
مش الشخص اللي إنت فاكره.
أنا مش فاكر حاجة أصلًا! قوليلي الحقيقة.
قبل ما ترد، الموبايل رن تاني.
المرة دي مريم ما ردتش.
لكن الشاشة فضلت منورة.
والاسم ظهر قدامي بوضوح.
أحمد الطوارئ.
بصيت لها باستغراب.
ده رقم المستشفى؟
هزت راسها.
أيوه.
طب ليه مسجلاه أحمد؟
نزلت عينيها وقالت
عشان محدش يعرف.
حسيت إن الكلام بيتعقد أكتر.
مريم، أنا مش فاهم أي حاجة.
سكتت شوية، وبعدين قالت
لما اتطلقنا... أنا مروحتش عند أهلي.
عارف.
روحت مكان تاني.
فين؟
ما جاوبتش.
مريم، فين؟
رفعت عينيها وقالت
كنت بخضع لفحوصات من وقتها.
سألتها
عشان المړض ده؟
هزت راسها.
وعشان حاجة تانية.
إيه؟
قبل ما تجاوب، الدكتور رجع.
وكان معاه ملف تاني.
بص لمريم وقال
النتيجة الجديدة وصلت.
وشها شحب أكتر.
قلت
نتيجة إيه؟
الدكتور تجاهل سؤالي، ووجه كلامه لمريم
لازم ناخد قرار النهارده.
مريم همست
مش هقدر.
قال لها
لو فضلنا نأجل، الموضوع هيبقى أصعب.
بصيت للدكتور
أنا زوجها السابق، بس محتاج أفهم.
الدكتور سكت.
مريم هي اللي قالت
قول له.
الدكتور فتح الملف.
التحاليل أكدت إن مريم محتاجة تدخل علاجي سريع، لكن في مشكلة أكبر...
قلبي انقبض.
إيه المشكلة؟
الدكتور بص لمريم، ثم قال
هي رفضت كل مرة حد من أهلها يعرف.
قلت
ليه؟
مريم دموعها نزلت.
لأنهم مش هيصدقوني.
قربت منها
في إيه يا مريم؟
طلعت من شنطتها صورة قديمة، ومدتها لي.
مسكت الصورة.
كانت صورة لينا أنا وهي...
من أول سنة جواز.
لكن في ظهر الصورة كان فيه تاريخ مكتوب بخط إيدي.
قلبت الصورة.
ولقيت جملة قصيرة
لو حصل لي حاجة، أحمد لازم يعرف الحقيقة.
إيدي بدأت تترعش.
بصيت لمريم
إنتِ كتبتي الكلام ده إمتى؟
قالت
قبل الطلاق بأسبوع.
سألتها
وكنتِ ناوية تقوليلي إيه؟
مريم أخدت نفسًا عميقًا.
وبصوت متقطع قالت
إن اللي حصل في آخر سنتين من جوازنا... مكنش زي ما إنت فاكر.
سكتُّ.
ثم قالت
والسبب الحقيقي اللي خلاني أبعد عنك... كان شخص من عيلتك.
تجمدت مكاني.
مين؟
مريم بصت ناحية باب المستشفى.
وفجأة ظهر شخص في آخر الممر.
أول ما شافته، مريم مسكت دراعي بقوة وقالت
أحمد... متخليش الشخص ده يقرب مني.
اتلفتُّ.
ولما شفت مين واقف هناك...
عرفت إن السر أخطر بكتير مما كنت متخيل أبويا وقف عند باب الممر، وأول ما عينه وقعت على الظرف اللي في إيدي، وشه اتغير.
قال بصوت منخفض
مين اداك الظرف ده؟
بصيت لسامح.
هو.
أبويا قرب بسرعة وخطڤ الظرف من إيدي.
ده مش من حقك تقراه.
اټصدمت.
مش من حقي؟ ده عليه اسمي!
شد الظرف لصدره.
أحمد، اسمعني قبل ما تحكم.
قلت بعصبية
أنا سمعت كتير النهارده. مرة مريم بتقول إنك السبب، ومرة سامح بيقول إن في خطړ، ومرة الدكتور بيتكلم عن علاج... وأنا الوحيد اللي محدش عايز يقولي الحقيقة!
مريم بدأت تبكي.
أبويا بص لها وقال
أنا كنت متفق معاكي إن أحمد ما يعرفش.
صړخت
أنا وافقت وقتها عشان أحميه! بس خلاص... مبقتش قادرة أشيل كل ده لوحدي.
الجملة دي خلتني أسكت.
بصيت لأبويا.
تحموني من إيه؟
ما ردش.
بابا... إنت عارف إيه؟
فضل ساكت.
سامح قال
قوله.
أبويا بص له پغضب.
إنت مالك؟
سامح رد
أنا تعبت من السكوت.
ثم الټفت لي.
أحمد، قبل جوازك من مريم، بابا كان عارف إن فيه تاريخ مرضي في العيلة.
اتجمدت.
وإيه علاقته بمريم؟
مريم قالت بصوت مكسور
أنا عرفت بالصدفة بعد الحمل التاني.
قلت
عرفتي إيه؟
مريم مسحت دموعها.
إن فيه احتمال إن الأطفال اللي بنحاول نخلفهم يكونوا معرضين لمشكلة خطېرة.
بصيت لأبويا.
وإنت كنت عارف؟
قال
كنت أعرف إن فيه مشكلة قديمة في العيلة، بس ماكنتش متأكد إنها مرتبطة بيك.
طب ليه مخبي؟
أبويا نزل عينه.
لأني كنت خاېف أخسرك.
ضحكت بسخرية.
وأنا خسړت مراتي أصلًا.
مريم قربت مني.
أنا اللي طلبت منه يسكت.
بصيت لها.
ليه؟
قالت
لأني وقتها كنت حامل...
سكتت.
ولما عرفت إن الحمل ممكن يكون في خطړ، قررت أعمل كل حاجة لوحدي.
قلت
بس الحمل انتهى من زمان.
هزت راسها.
أنا عارفة.
ثم حطت إيدها على بطنها، وقالت
بس المشكلة إن اللي حصل بعدها... كان أخطر.
سألتها
إيه اللي حصل بعدها؟
مريم بصت للدكتور.
الدكتور كان واقف بعيد، وكأنه مستني اللحظة دي.
قال
مريم عندها حالة محتاجة متابعة وعلاج سريع. لكن قبل ما نبدأ، لازم أحمد يعرف معلومة مهمة.
قلت
قول.
الدكتور فتح الملف وقال
التحاليل الأخيرة أظهرت نتيجة ما كانتش موجودة في الفحوصات الأولى.
سألته
نتيجة إيه؟
نظر إلى مريم.
ثم قال
مريم مش محتاجة علاج بسبب اللي حصل زمان فقط.
سكت لحظة.
فيه سبب جديد ظهر في التحاليل.
مريم غمضت عينيها.
وأنا حسيت إن قلبي بدأ يدق بسرعة.
الدكتور أكمل
والسبب ده اتأكد عندنا من يومين فقط.
مد لي ورقة.
وأنا قبل ما أمسكها، سمعت مريم بتقول
أحمد... مهما قرأت، أوعى تفتكر إني كنت بكذب عليك عشان أؤذيك.
مسكت الورقة.
وقريت أول سطر.
وساعتها فهمت ليه مريم كانت مصممة تخفي الحقيقة عني طوال الشهرين اللي فاتوا وقفت مكاني وأنا ببص للشخص اللي في آخر الممر.
كان أخويا الكبير، سامح.
وشه كان متوتر، وأول ما عينه جت على مريم، وقف مكانه.
بصيت له باستغراب
إنت بتعمل إيه هنا؟
ما ردش.
مريم كانت ماسكة دراعي بقوة، وصوتها بيترعش
أنا قلتلك متخليش حد يعرف إني هنا.
سامح قرب خطوة.
مريم، لازم نتكلم.
صړخت لأول مرة
لأ!
الممر كله سكت لحظة.
أنا بصيت بين الاتنين.
حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟
سامح قال
أحمد، الموضوع مش زي ما إنت فاكر.
ضحكت بمرارة
الجملة دي بقت بتتقال كتير النهارده.
مريم بصتلي وقالت
أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
أي يوم؟
اليوم اللي هتعرف فيه ليه أنا طلبت منك تكرهني.
اتجمدت.
إنتِ طلبتي مني أكرهك؟
هزت راسها.
كنت محتاجة إنك تبعد عني.
بس ليه؟
قبل ما تجاوب، سامح قال
لأن وجودك جنبها كان ممكن يعرّضك للخطړ.
لفيت له بسرعة.
خطړ إيه؟
سكت.
مريم قالت
سامح، خلاص.
رد عليها
مش خلاص. هو لازم يعرف.
بصيت لأخويا.
يعرف إيه؟
سامح قرب مني، وصوته بقى واطي
فاكر اللي حصل قبل الطلاق بشهر؟ لما مريم اختفت يومين ومكنتش بترد على تليفونك؟
افتكرت.
وقتها كنت ڠضبان جدًا.
افتكرت إني اتصلت بيها عشرات المرات، ولما رجعت قالتلي إنها كانت عند واحدة صاحبتها.
أيوه.
سامح قال
هي مكنتش عند صاحبتها.
بصيت لمريم.
كنتِ فين؟
مريم دموعها نزلت.
في المستشفى.
اټصدمت.
من وقتها؟
هزت راسها.
كنت بعمل أول فحوصات.
قلت
طب ليه كذبتي عليا؟
قالت
لأني اكتشفت حاجة عن صحتك...
وقفت لحظة.
صحتي أنا؟
سامح قاطعها
مريم اكتشفت إن فيه وراثة في عيلتنا ممكن تكون مرتبطة باللي حصل لها.
بصيت له بعدم فهم.
يعني إيه؟
مريم مدت إيدها للملف.
فتحت صفحة معينة، وقالت
أنا خسړت الحمل مرتين، وبعدها بدأت تظهر عليا أعراض غريبة.
بصيت للورقة.
والدكتور قال إن السبب...
سكتت.
قولي.
رفعت عينيها وقالت
إن فيه احتمال كبير إن المشكلة كانت مرتبطة بحاجة وراثية في عيلتك.
حسيت پصدمة.
لكن قبل ما أستوعب كلامها، سامح قال
وده مش كل حاجة.
بصيت له.
فيه إيه تاني؟
سامح أخرج من جيبه ظرف بني صغير.
مدهولي.
ده اتساب عندي من زمان.
مسكت الظرف.
كان عليه اسمي.
أحمد.
وتحته تاريخ...
قبل طلاقنا بأيام قليلة.
قلت
مين كتبه؟
سامح بص لمريم.
ومريم هزت راسها كأنها بتقولي افتحه.
فتحت الظرف.
وأول سطر قريته كان
لو أحمد عرف الحقيقة، ممكن حياته كلها تتغير...
رفعت عيني لمريم.
لكنها كانت بتبص للباب.
لأن في نفس اللحظة...
ظهر شخص تاني واقف هناك.
والشخص ده كان والدي.
وأول ما شاف الظرف في إيدي...
وشه اتغير تمامًا الدكتور فضل باصص للورقة كأنه مش مصدق اللي مكتوب قدامه.
قلت له
اسم مين ده؟
ماردش فورًا.
مريم قربت منه وقالت
دكتور، إنت خوفتني... قول في إيه؟
رفع عينه ناحيتي، وبعدها قال
الاسم ده مش اسم مريض
جديد.
سألته
أمال اسم مين؟
قال
اسم الطبيب اللي كان متابع حالة مريم قبل ما تيجي المستشفى هنا.
بصيت لمريم.
إنتِ كنتِ بتتعالجي فين قبل كده؟
قالت
في مستشفى تانية.
وليه نقلتي هنا؟
سكتت.
الدكتور قال
لأن الملف القديم كان ناقص.
ناقص إزاي؟
في نتائج تحاليل مهمة اختفت.
حسيت إن الموضوع بقى أكبر من مجرد مرض.
قلت
مين كان ماسك ملفها؟
الدكتور بص للورقة.
ثم قال اسمًا جعل مريم تنتفض من مكانها.
الدكتور سامي.
مريم غطت وشها بإيديها.
قلت
إنتِ تعرفيه؟
هزت راسها.
أيوه.
مين هو؟
قالت
الطبيب اللي تابعني بعد الحمل التاني.
سكتُّ لحظة.
ثم سألت
وليه اسمه موجود في الملف الجديد؟
مريم بدأت تبكي.
لأنه هو اللي قاللي إن حالتي مستحيل تتحسن.
الدكتور تدخل
لكن التحاليل اللي عندنا بتقول غير كده.
بصيت له.
يعني إيه؟
قال
يعني إن التشخيص القديم ممكن يكون كان ناقص أو غير دقيق.
مريم رفعت رأسها فجأة.
إنت متأكد؟
لسه محتاجين فحوصات إضافية.
ثم مد لي صورة أشعة.
بس فيه حاجة في الصور القديمة والجديدة مش متطابقة.
بصيت للصورة.
إيه؟
قال
في علامة ظهرت دلوقتي... ومش موجودة في التقرير القديم.
مريم سألت
يعني إيه؟
الدكتور قال
يعني لازم نعرف مين قرأ الأشعة الأولى، ومين كتب التقرير.
ساد الصمت.
سامح قرب مني وقال
أحمد... أنا كنت شاكك إن فيه حاجة غلط من البداية.
بصيت له.
ليه؟
قال
لأن مريم يوم ما خرجت من المستشفى أول مرة، الدكتور سامي قال لنا إن مفيش أمل كبير في العلاج.
مريم بصت له بدهشة.
إنت كنت موجود؟
أيوه.
ومقلتليش؟
كنت بحاول أتأكد الأول.
بصيت لأخويا پغضب.
يعني كل الناس كانت عارفة حاجة وأنا آخر واحد؟
سامح قال
لأن مريم طلبت مننا نخبي عليك.
مريم هزت راسها.
أنا كنت خاېفة عليك.
قلت
بس أنا كنت جوزك.
ردت بصوت مكسور
وعشان كده بالذات... كنت خاېفة أخسرك.
قبل ما أقدر أرد، موبايل مريم رن.
بصت للشاشة.
المرة دي وشها اتجمد.
قلت
مين؟
ما ردتش.
الموبايل رن مرة تانية.
وبعدين وصلتها رسالة.
فتحتها، وقرأت أول سطر.
وفجأة حطت إيدها على بوقها.
قلت
مريم؟ إيه اللي في الرسالة؟
مدت الموبايل لي.
وقريت
لو أحمد عرف إن التحاليل القديمة اتغيرت... لازم يعرف كمان مين طلب منك الطلاق.
رفعت عيني لمريم.
مين اللي طلب منك الطلاق؟
مريم بدأت تبكي.
ثم قالت
أحمد... أنا ماكنتش أنا اللي عايزة الطلاق فتحت الورقة بإيد مرتعشة، وعيني جريت على السطور بسرعة.
في البداية، مافهمتش المصطلحات الطبية.
لكن كلمة واحدة كانت واضحة جدًا.
إيجابي.
رفعت عيني للدكتور.
إيجابي لإيه؟
الدكتور أخد نفس عميق وقال
النتيجة بتشير لمرض محتاج علاج ومتابعة دقيقة،
لكن لسه محتاجين فحوصات إضافية عشان نحدد درجته بشكل نهائي.
بصيت لمريم.
وإنتِ عارفة من إمتى؟
قالت بصوت ضعيف
من أسبوعين.
أسبوعين؟! وإنتِ عايشة لوحدك هنا؟
هزت راسها.
مكنتش عايزة أرجع لبيت أهلي.
ليه؟
سكتت.
سامح هو اللي رد
لأن مريم كانت خاېفة إنهم يلوموها على كل اللي حصل.
بصيت له.
يلوموها على إيه؟
مريم قالت
على الحملين.
سكتُّ.
مريم، إنتِ كنتِ فاكرة إن اللي حصل كان بسببك؟
دموعها نزلت.
كنت مقتنعة إن جسمي هو السبب... وإنك لو عرفت الحقيقة هتفضل شايفني ست فشلت في إنها تعملك أسرة.
حسيت بحاجة اتكسرت جوايا.
إنتِ عارفة إني عمري ما فكرت كده؟
ضحكت وسط دموعها.
بس إنت سبتني.
ماعرفتش أرد.
لأنها كانت محقة.
قربت منها، لكني وقفت على مسافة.
طب قوليلي... إيه علاقة أخويا وأبويا بالموضوع؟
مريم بصت لسامح.
سامح أخرج ورقة تانية من جيبه.
دي نتيجة تحليل قديمة.
أخدتها منه.
تحليل مين؟
قال
بتاعة ماما.
اتجمدت.
ماما؟
هز راسه.
أيوه.
بصيت للورقة، وكان التاريخ من سنين طويلة.
مريم قالت
لما بدأت أبحث عن سبب اللي حصل لنا، اكتشفت إن الموضوع موجود في العيلة من قبل ما نتجوز.
سألتها
وإنتِ عرفتي ده إزاي؟
قالت
لقيت أوراق قديمة في البيت.
بصيت لأبويا.
كان ساكت.
بابا... إنت كنت عارف إن ماما عندها نفس المشكلة؟
ما ردش.
صړخت
رد عليا!
رفع عينه ببطء وقال
أيوه.
ساد الصمت.
وكنت عارف إنها ممكن تنتقل لينا؟
قال
كان فيه احتمال.
ومقلتليش؟
كنت خاېف.
خاېف من إيه؟
أبويا قرب مني وقال
خاېف أخسرك زي ما خسړت أمك.
وقفت مشلۏل من الصدمة.
مريم كانت بتبصلي والدموع في عينيها.
لكن قبل ما أقدر أسأل أي سؤال تاني، دخلت ممرضة بسرعة.
قالت للدكتور
دكتور، التحليل الأخير وصل.
الدكتور أخده، قرأه، ووشه اتغير.
بص لمريم.
ثم بص لي.
وقال
في حاجة لازم تعرفوها قبل ما نبدأ أي إجراء.
مريم سألت پخوف
إيه؟
الدكتور سكت لحظة.
وبعدين قال
النتيجة الجديدة بتخلينا نعيد تقييم كل اللي كنا فاكرينه عن حالتها.
مريم مسكت إيدي فجأة.
ولأول مرة من يوم ما شوفتها، حسيت إنها هي اللي محتاجة تطمنني.
قالت
أحمد... مهما حصل، أوعدني إنك هتسمعني للآخر.
بصيت في عينيها.
وقبل ما أرد، الدكتور قلب الورقة على الناحية التانية.
وكان مكتوب عليها اسم...
مريم نفسها ما كانتش تعرف إنه موجود في ملفها سحبت إيدي منها ببطء.
يعني إيه؟
مريم كانت بتبصلي ومش قادرة تتكلم.
قلت
إنتِ بتقولي إن الطلاق مكنش قرارك؟
هزت راسها.
كنت عايزة أفضل معاك.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
طب ليه وافقتي؟
مريم مسحت دموعها وقالت
لأنهم خلوني أصدق إن وجودي جنبك ھيأذيك.
مين؟
سكتت.
بصيت لسامح.
كان وشه متوتر.
إنت عارف؟
قال
أعرف جزء.
وأبويا؟
أبويا ما ردش.
بصيت له
بابا، إنت كنت عارف إن مريم مش عايزة الطلاق؟
قال بهدوء
أيوه.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
وسكت؟
كان لازم.
ليه؟
أبويا قرب مني وقال
لأن مريم كانت مھددة.
اتجمدت.
مھددة من مين؟
قبل ما يرد، مريم قالت
مش شخص واحد.
سألتها
يعني إيه؟
فيه ناس كانت عايزة تمنعني أكمل العلاج.
ليه؟
مريم بصت للدكتور.
الدكتور فهم نظرتها وقال
مريم، لازم نبدأ الإجراءات.
لكنها هزت راسها.
قبل ما أبدأ، أحمد لازم يعرف.
الدكتور سكت.
مريم بصتلي وقالت
بعد الحمل التاني، بدأت أدوخ وأتعب بشكل مستمر. رحت للدكتور سامي.
قلت
والتشخيص؟
قال إن حالتي صعبة، وإن الحمل مرة تالتة ممكن يكون خطړ.
وده منطقي.
أيوه... بس بعدين اكتشفت حاجة.
إيه؟
قالت
التحاليل اللي عملتها بعد كده ما كانتش بتقول نفس الكلام.
يعني؟
يعني كان فيه اختلاف واضح.
سامح قال
وأنا لما حاولت أراجع الأوراق، لقيت إن جزء من الملف اتبدل.
بصيت له.
اتبدل؟
أيوه.
أبويا أخيرًا تكلم
وعشان كده طلبت من مريم تبعد عنك.
صړخت
إنت اللي طلبت منها الطلاق؟!
أبويا نزل عينه.
أيوه.
مريم قالت بسرعة
بس هو كان بيحاول يحميك.
بصيت لأبويا پغضب.
تحميني من إيه؟
قال
من الحقيقة.
إيه الحقيقة؟
أبويا سكت طويلًا.
ثم قال
إن الشخص اللي كان بيتابع مريم... كان بيحاول يخليها تصدق إنها مش هتقدر تعيش حياة طبيعية.
سألت
ليه؟
ما ردش.
فجأة دخلت ممرضة وقالت
دكتور، فيه حد بيسأل عن مدام مريم.
مريم اتوترت.
مين؟
الممرضة بصت في الورقة.
بيقول إنه من المستشفى القديمة.
مريم قامت من مكانها، لكن وشها شحب فجأة.
مسكت دراعي وقالت
أحمد... متخلينيش لوحدي.
وبصيت ناحية باب الممر.
كان فيه رجل واقف بعيد، ماسك ملف بني.
وأول ما عينه وقعت عليا...
لف بسرعة ومشي جريت وراه خطوتين، لكن سامح مسكني من دراعي.
استنى! متروحش وراه.
بصيت له بعصبية
إنت شفته؟
أيوه.
مين ده؟
سامح سكت.
مين؟!
قال
الدكتور سامي.
رجعت أبص ناحية مريم.
كانت قاعدة على الكرسي، وشها أبيض تمامًا.
روحت لها بسرعة.
هو ده اللي كان بيتابعك؟
هزت راسها.
أيوه.
طب ليه أول ما شافني مشي؟
مريم ما ردتش.
الدكتور بتاع المستشفى قرب منها وقال
مريم، لازم تدخلي الأوضة دلوقتي.
قالت
بس...
دلوقتي.
مريم قامت، وقبل ما تدخل، مسكت إيدي.
أحمد، لو حصل أي حاجة... متصدقش أي ورقة من غير ما تتأكد.
بصيت لها باستغراب.
ليه بتقولي كده؟
قالت
لأن في ورقة واحدة هي اللي هتثبت كل حاجة.
أنهي ورقة؟
بصت ناحية سامح.
الملف الأصلي.
ثم دخلت الأوضة.
وقفت أنا وسامح وأبويا في الممر.
بصيت لهم
فين الملف الأصلي؟
أبويا قال
مش معانا.
فين؟
سكت.
سامح قال
أنا أعرف مكانه.
اتلفت له.
فين؟
في بيت مريم القديم.
اټصدمت.
البيت اللي عشنا فيه؟
هز راسه.
أيوه.
طب ليه ما جبتهوش؟
قال
لأني كنت مستني أتأكد إن اللي فيه حقيقي.
قلت
إحنا هنروح نجيبه دلوقتي.
أبويا اعترض
لا.
بصيت له.
ليه؟
قال
لأن البيت مش آمن.
يعني إيه مش آمن؟
سكت.
وفجأة موبايل سامح رن.
بص للشاشة، ووشه اتغير.
رد
ألو؟
سمع ثواني، وبعدين قال
إيه؟
سكت.
إنت متأكد؟
قفل المكالمة.
بصيت له.
في إيه؟
قال بصوت منخفض
حد دخل البيت قبلنا.
سألته
سرقوا إيه؟
هز راسه.
مفيش حاجة اتسرقت.
أمال؟
سامح بص لأبويا.
ثم قال
هم كانوا بيدوروا على حاجة واحدة بس.
إيه؟
قال
الملف الأصلي.
وفي اللحظة دي، باب أوضة مريم اتفتح فجأة.
خرجت الممرضة وهي بتجري.
دكتور! بسرعة!
بصيت جوا الأوضة.
مريم كانت على السرير، والدكتور بيحاول يطمن عليها.
لكن اللي لفت نظري...
إن موبايلها كان واقع على الأرض.
والشاشة كانت منورة برسالة جديدة.
قربت منه وقرأتها.
الملف اختفى... لكن لسه في نسخة عند الشخص
اللي مريم كانت واثقة فيه.
لأن مريم ما كانش عندها غير شخص واحد كانت بتثق فيه وقتها...
وأنا بدأت أشك إن الشخص ده مش اللي كنت متخيله قربت من مريم وأنا مش قادر أستوعب الرسالة.
مريم... مين الشخص اللي كانت عنده النسخة؟
فتحت عينيها بصعوبة، وبصتلي.
إنت.
اتجمدت.
أنا؟
هزت راسها.
أيوه... بس مش معاك دلوقتي.
سامح قرب وقال
إحنا لازم نعرف النسخة فين.
مريم حاولت تتكلم، لكن الدكتور طلب مننا نخرج.
سيبوها ترتاح.
خرجنا للممر.
وقلت لسامح
أنا مش فاكر أي نسخة.
قال
أكيد مش فاكر، لأنها اتخبت في مكان ما كنتش هتدور فيه.
فين؟
سامح بصلي وقال
في بيتكم القديم.
حسيت بقلبي بيخبط.
إزاي؟
مريم قالتلي قبل الطلاق إنها لو حصل لها حاجة، أفتش في المكان اللي كنت بتحتفظ فيه بحاجاتك القديمة.
بدأت أفتكر.
درج صغير في المكتب.
كنت بحط فيه أوراق الشغل، صور قديمة، وحاجات مريم كانت بتقول إنها ملهاش لازمة.
جريت ناحية باب المستشفى.
سامح ناداني
استنى!
لازم أروح دلوقتي.
أبويا وقف قدامي.
أحمد، لو الملف هناك، متفتحهش لوحدك.
ليه؟
لأنك مش عارف إيه اللي ممكن تلاقيه.
بصيت له.
أنا طول عمري عايش وسط أسراركم... المرة دي مش هسمح لحد يمنعني.
خرجت مع سامح.
وصلنا البيت القديم بعد حوالي نص ساعة.
الباب كان مقفول، لكن القفل متكسر.
دخلنا.
كل حاجة كانت متبهدلة.
الأدراج مفتوحة.
الملابس مرمية.
والأوراق متقطعة.
قلت
حد فتش المكان كله.
سامح قال
دور على الدرج.
دخلت المكتب.
فتحت الدرج.
فاضي.
افتكرت فجأة حاجة.
مريم كانت دايمًا پتكره إني أحط حاجاتي في درج المكتب، وكانت بتقول
الحاجات المهمة متتحطش هنا.
ابتسمت للحظة رغم كل اللي بيحصل.
وبعدين ركعت قدام المكتب.
بصيت تحته.
كان فيه لوح خشب صغير.
رفعته.
ولقيت ظرف أبيض ملزوق تحته.
مسكته.
كان عليه اسمي بخط مريم.
فتحت الظرف.
جواه فلاشة صغيرة، وصورة، وورقة واحدة.
قرأت الورقة
أحمد، لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
إيدي بدأت تترعش.
كملت القراءة.
متدورش على اللي أذاني... دور على الشخص اللي أقنعني إنك لازم تطلقني.
بصيت لسامح.
مين الشخص ده؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت باب البيت بيتقفل.
اتلفتُّ.
كان فيه حد دخل.
سامح همس
خبّي الفلاشة.
حطيتها في جيبي.
وبعدين سمعنا خطوات بتقرب من المكتب.
خطوة...
وخطوة...
لحد ما وقف الشخص خلف الباب.
ثم سمعنا صوته
أحمد... أنا عارف إنك لقيت الظرف.
عرفت الصوت فورًا.
كان صوت شخص قريب جدًا من عيلتنا.
لكن اللي ما فهمتوش...
إزاي عرف إننا جينا هنا في نفس اللحظة؟سامح أشارلي أسكت، وفضلنا واقفين في المكتب من غير نفس.
الصوت جه تاني من بره
أنا مش جاي أأذيك يا أحمد... أنا جاي آخد الفلاشة.
بصيت لسامح، وهمست
إنت عرفت مين؟
هز راسه بالنفي.
قربنا من الباب ببطء.
سامح فتحه فجأة.
لكن الممر كان فاضي.
الشخص اختفى.
جريت ناحية باب الشقة، لقيته مفتوح.
نزلنا السلم بسرعة، لكن مفيش حد.
رجعنا للمكتب.
سامح قال
لازم نمشي.
لا. الأول نشوف الفلاشة.
هنا؟
أيوه.
طلعنا اللابتوب القديم اللي كان موجود في المكتب.
حطيت الفلاشة.
ظهر ملف واحد فقط.
اسمه
مريم الحقيقة
فتحت الملف.
كان تسجيل صوتي.
ضغطت تشغيل.
وسمعت صوت مريم.
كان واضح إنها كانت بتسجل الكلام وهي پتبكي.
أحمد... لو سمعت التسجيل ده، يبقى أكيد عرفت إن فيه حاجات كتير اتخبّت عنك.
سكتت ثواني.
أنا مش عايزة ألوم حد... بس لازم تعرف إن الطلاق ماكانش بسبب إن حبنا خلص.
حسيت بغصة في حلقي.
كملت
أنا وافقت على الطلاق عشان كنت فاكرة إن ده الطريق الوحيد اللي هيحميك.
بصيت لسامح.
مريم أكملت
الشخص اللي أقنعني بكده قال إن لو فضلت معاك، ممكن تخسر شغلك، وسمعتك، وحياتك كلها.
سامح قرب من الشاشة.
اسمع.
صوت مريم ارتجف
وفي البداية صدقته... لحد ما اكتشفت إنه كان بيكدب عليا.
التسجيل سكت لحظة.
ثم قالت
ولما حاولت أواجهه... اكتشفت إنه مش لوحده.
حسيت إن قلبي وقف.
هو كان عنده حد بيساعده من جوه المستشفى.
سامح بصلي.
مريم قالت
وأنا عرفت اسم الشخص ده.
ثم انقطع التسجيل فجأة.
حاولت أشغله تاني.
نفس النهاية.
سامح قال
الملف ناقص.
يعني إيه؟
يعني حد قطع الجزء الأخير.
بصيت للفلاشة.
بس أكيد فيه نسخة.
وفجأة اللابتوب أصدر صوت تنبيه.
ظهر ملف جديد على الشاشة.
اسمه
رسالة أخيرة.
فتحت الملف.
لكن قبل ما أضغط عليه، وصلني إشعار على موبايلي.
رقم مجهول.
رسالة واحدة
لو عايز تعرف مين طلب من مريم تطلقك... ارجع المستشفى فورًا، قبل ما يفوت الأوان.
رفعت عيني لسامح.
لازم نرجع.
سألني
ليه؟
وريته الرسالة.
وشه اتغير.
أحمد... الرسالة دي اتبعتت من رقم المستشفى.
جرينا ناحية الباب.
وفي نفس اللحظة، رن موبايلي.
المرة دي كان الاتصال من مريم.
رديت بسرعة
مريم؟
لكن اللي سمعته مش صوتها.
كان صوت رجل.
قال بهدوء
لو عايزها تخرج من المستشفى بخير... متسألش عن الماضي تاني سكتُّ لحظة، وحاولت أثبت صوتي
إنت مين؟
الرجل ضحك ضحكة قصيرة.
مش مهم أنا مين... المهم إنك لو كملت في الطريق ده، مريم هي اللي هتدفع الثمن.
صړخت
هات مريم على التليفون!
سمعت صوت حركة في الخلفية، وبعدها صوت مريم ضعيف
أحمد... متسمعش كلامه.
الرجل قفل المكالمة فورًا.
بصيت لسامح.
لازم نرجع المستشفى حالًا.
وصلنا بسرعة، وجريت ناحية أوضة مريم.
لكن السرير كان فاضي.
الممرضة واقفة عند الباب ووشها متوتر.
قلت
فين مريم؟
قالت
الدكتور نقلها لقسم الأشعة.
مين الدكتور؟
سكتت.
مين؟!
قالت
الدكتور سامي.
اتجمدت.
إزاي الدكتور سامي دخل المستشفى أصلًا؟
الممرضة بصت للأرض.
قال إن عنده موافقة من الإدارة.
سامح شدني من دراعي.
لازم نلاقيها.
جرينا ناحية قسم الأشعة.
وفي نص الطريق، لقيت الدكتور اللي كان متابع حالة مريم في المستشفى واقف قدام غرفة مغلقة.
قلت له
مريم فين؟
بصلي باستغراب.
مريم؟ هي مش عندي.
إزاي؟ الممرضة قالت إن الدكتور سامي نقلها.
وشه اتغير.
الدكتور سامي؟
هزيت راسي.
قال بسرعة
أنا ما وافقتش على أي نقل.
دخلت الغرفة.
كانت فاضية.
لكن على الكرسي كان موجود شنطة مريم.
فتحتها بسرعة.
لقيت الورقة اللي كانت بتتكلم عنها.
النسخة الأصلية من الملف.
لكن أول ما مدّيت إيدي آخدها...
سامح قال
استنى.
بصيت له.
كان بيشاور على الأرض.
فيه ورقة صغيرة واقعة تحت الكرسي.
انحنيت وخدتها.
كان مكتوب عليها بخط مريم
لو اختفيت من هنا، متدورش عليا في المستشفى... دور في المكان اللي بدأت منه الحكاية.
بصيت لسامح.
المكان اللي بدأت منه الحكاية؟
قال
بيت أهلك؟
هزيت راسي.
لا.
فجأة افتكرت.
أول مرة مريم راحت فيها للمستشفى بعد الحمل التاني...
كانت في عيادة صغيرة خارج المدينة.
بصيت لسامح
أنا عرفت المكان.
وفي نفس اللحظة، وصلني تسجيل صوتي جديد على موبايلي.
فتحته.
كان صوت مريم.
لكن المرة دي كانت بتتكلم بسرعة وخوف
أحمد... لو سمعت التسجيل ده، يبقى الدكتور سامي وصل قبلك.
سكتت لحظة.
ثم قالت
والحقيقة اللي هتسمعها هناك... هتخليك تفهم ليه أنا طلبت منك الطلاق.
وانقطع التسجيل.
بصيت لسامح.
وقلت
يلا.
لكن قبل ما نتحرك، ظهر إشعار جديد على موبايلي.
صورة مريم.
كانت قاعدة في مكان مجهول.
وتحت الصورة جملة واحدة
لو عايز تعرف الحقيقة، تعالى لوحدك بصيت للصورة أكتر من مرة.
مريم كانت قاعدة على كرسي، ووشها شاحب، لكن عينيها كانت مفتوحة وواعية.
وفي الخلفية ظهر جزء من حائط قديم، وعليه لوحة صغيرة.
كبرت الصورة.
وقتها عرفت المكان.
قلت لسامح
دي العيادة القديمة.
سامح بص للصورة.
متروحش لوحدك.
هو قال تعالى لوحدك.
وده بالضبط سبب إنك متروحش لوحدك.
بصيت له، وبعد لحظة هزيت راسي.
هنروح، بس من غير ما يحس إننا جايين.
خرجنا من المستشفى بسرعة.
طول الطريق، مفيش واحد فينا اتكلم.
كنت مشغول بسؤال واحد
مين كان عايز يفرق بيني وبين مريم؟
وليه؟
وصلنا للعيادة.
المكان كان شبه مهجور.
الباب الخارجي مفتوح.
دخلنا بحذر.
ريحة التراب والرطوبة كانت مالية المكان.
ناديت
مريم؟
مفيش رد.
مشينا في الممر.
لحد ما سمعنا صوت حاجة وقعت في آخر غرفة.
جرينا ناحية الصوت.
الباب كان مقفول.
سامح خبط عليه.
مريم؟
جاء صوتها من الداخل
أحمد؟
قلبي ارتاح للحظة.
أيوه.
سمعتها بتقول
اوعى تفتح الباب.
وقفت مكاني.
ليه؟
قالت
لأن الباب وراه حد.
بصيت لسامح.
فجأة سمعنا صوت خطوات بتبعد من الناحية التانية.
سامح جرى ناحية الباب الخلفي.
وأنا فضلت جنب مريم.
إنتِ كويسة؟
أيوه.
مين كان معاكي؟
سكتت.
مريم، قوليلي.
قالت
الدكتور سامي.
قلبي دق بسرعة.
فينه؟
هرب لما سمعكم.
هو اللي خطڤك؟
لأ.
أمال؟
سكتت ثواني.
ثم قالت
هو اللي أنقذني.
اټصدمت.
إيه؟
أحمد، الدكتور سامي مش الشخص اللي كنت فاكره.
طب مين اللي كان بيهددك؟
صمتت.
ثم قالت
الشخص اللي كنت بتثق فيه طول عمرك.
جسمي كله شد.
مين؟
مريم بدأت تبكي.
مش هقدر أقولك من ورا الباب.
طب افتحي.
لا.
ليه؟
قالت
لأنك لما تشوفني، هتفهم إن السر مش متعلق بيا لوحدي.
وقبل ما أقدر أسألها، سمعت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق