كل يوم، كانت ست كبيرة بتدخل محل جزارة وتطلب 60 كيلو لحمة... لكن لما الشرطة اكتشفت هي بتعمل بالكمية المهولة دي إيه، أهل البلد كلهم اتجمدوا من الرعب.
كانت الحاجة ليلى بتدخل محل الجزارة أول ما يفتح، وتطلب من عم عبده يوزن لها ستين كيلو لحمة بقري.
عم عبده كان كل مرة يقف والسكينة في إيده، ويبصلها باستغراب.
الحاجة ليلى كانت ست بسيطة جدًا، عايشة لوحدها في بيت قديم على أطراف قرية في الصعيد، وطول عمرها كانت بتشتري حتة لحمة صغيرة تكفيها يومين تلاتة.
لكن فجأة، بقت كل يوم تشتري ستين كيلو!
وفي كل مرة كانت تطلع فلوس قديمة من كيس قماش صغير، وتعدها بإيدين بتترعش، وبعدها تاخد الأكياس التقيلة وتمشي بسرعة.
في أول يوم، عم عبده مقدرش يمنع نفسه وسألها
يا حاجة ليلى، هو حضرتك بتعملي عزومة ولا إيه؟ ستين كيلو لحمة مرة واحدة؟
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت
ابني جاي يزورني... وعايزة أعمل له أكلة عمره ما ينساها.
عم عبده ابتسم وقال
ربنا يخليهولك.
لكن في نفس الليلة، حصلت حاجة خلت عم عبده يحس إن فيه سر كبير مستخبي ورا الست دي.
وهو قاعد مع واحد من أهل البلد، جاب سيرة ابن الحاجة ليلى، فسكت الراجل شوية وقال له
ابنها؟
عم عبده قال
أيوه... قالت إن ابنها جاي يزورها.
الراجل بص له باستغراب وقال
يا عم عبده... ابنها محمود مات من سبع سنين.
عم عبده حس بقشعريرة في جسمه.
قال
إنت متأكد؟
رد الراجل
أنا حضرت جنازته بنفسي.
تاني يوم الصبح، قبل حتى ما عم عبده يفتح المحل، لقى الحاجة ليلى واقفة قدام الباب.
طلبت نفس الكمية.
ستين كيلو لحمة.
المرة دي عم عبده كان بيراقبها من غير ما يتكلم.
وهي بتدفع، لاحظ إن إيديها كانت بتترعش أكتر من اليوم اللي قبله.
وبعد ما شالت الأكياس، خرجت بسرعة.
عم عبده قرر يمشي وراها من بعيد.
لكن عند أول طريق ترابي، الحاجة ليلى وقفت فجأة وبصت وراها.
عم عبده استخبى ورا حيطه قديمة.
فضلت واقفة ثواني، وكأنها حست إن حد بيراقبها، وبعدها كملت طريقها.
من اليوم ده، الخبر انتشر في القرية.
كل يوم ستين كيلو لحمة.
وبعدها تختفي في نفس الاتجاه.
ناس قالت إنها بتطعم كلاب كتير.
وناس قالت إنها بتبيع اللحمة في السر.
وواحد قال
يمكن الست فقدت عقلها بعد موت ابنها.
لكن محدش كان قادر يفسر ليه كل الأكياس كانت بتروح ناحية سفينة قديمة مهجورة موجودة عند طرف الغابة.
السفينة كانت متسابّة من سنين، ومحدش من أهل البلد كان بيقرب منها.
أبوابها مصدية، وشبابيكها مكسورة، والناس كانت بتقول إن المكان ده مهجور من زمان.
وفي اليوم الرابع، عم عبده شاف حاجة خلته ياخد قرار صعب.
كان واقف قدام المحل، وشاف الحاجة ليلى وهي بتحط أكياس اللحمة في عربية نص نقل قديمة.
لكن قبل ما العربية تتحرك، وقع كيس على الأرض.
الكيس اتقطع.
وظهرت على الأرض بقعة دم كبيرة.
عم عبده اتصدم.
الحاجة ليلى جريت على الكيس، لمّت اللحمة بسرعة، وبصت له بنظرة خوف.
عم عبده قال
يا حاجة... إنتِ بتودي اللحمة دي فين؟
لكنها ما ردتش.
ركبت العربية ومشيت.
في اللحظة دي، عم عبده طلع تليفونه واتصل بالشرطة.
بعد أقل من ساعة، وصلت قوة من مركز الشرطة.
كان معاهم المقدم أحمد والنقيب كريم وعدد من رجال المباحث.
حكايات_شروق_خالد
حصري
وصلوا للمكان اللي عم عبده وصفه لهم.
وأول ما قربوا من السفينة المهجورة، شموا ريحة غريبة جدًا.
ريحة تقيلة ومقرفة طالعة من جوه.
دخلوا المكان بحذر.
على الأرض كانوا شايفين آثار دم.
أكياس لحمة ممزقة.
وبقع غامقة منتشرة على الأسمنت.
وفي آخر الممر، كان فيه باب حديد ضخم.
الباب كان مقفول من الداخل.
المقدم أحمد خبط بقوة.
شرطة! افتحي الباب!
مفيش رد.
خبط تاني
افتحي الباب فورًا!
فجأة سمعوا صوت حاجة وقعت من جوه.
وبعدين صوت ست بتبكي.
كسروا الباب ودخلوا.
كانت الحاجة ليلى واقفة في آخر المكان.
وشها أبيض زي الشمع.
إيديها مليانة دم.
وعينيها مليانة رعب.
بص لها المقدم أحمد وقال
إيه اللي بيحصل هنا؟
لكنها قربت منه وهي بتترعش، وحطت إيدها على بقه وهمست
أرجوك... ما تدخلش أكتر.
المقدم أحمد بص للنقيب كريم.
الكل سكت.
لأن خوف الست كان حقيقي.
ومش خوف واحدة خايفة تتقبض عليها...
كان خوف واحدة شايفة حاجة مرعبة ومش قادرة تقولها.
النقيب كريم رفع الكشاف وبدأ يبص جوه الغرفة المظلمة.
خطوة...
وبعدها خطوة تانية...
وفجأة وقف مكانه.
وشه اتغير.
قال بصوت منخفض
يا فندم...
المقدم أحمد قرب منه
في إيه؟
⏩
النقيب كريم ما ردش.
بس رفع الكشاف ناحية آخر الغرفة.
المقدم أحمد وجه الكشاف في نفس الاتجاه...
وفي اللحظة دي، كل اللي دخلوا المكان وقفوا مكانهم.
محدش قدر يتكلم.
لأن اللي شافوه جوه الغرفة...
كان أسوأ بكتير من كل اللي كانوا متخيلينه.
حكايات_شروق_خالد
حصري
شكرًا من قلبي لكل حد بيقرأ، ووجودكم هو أجمل دافع ليا.
ساد الصمت داخل الغرفة.
المقدم أحمد فضل ثابت مكانه، والكشاف في إيده بيتحرك ببطء على الجدران.
أما النقيب كريم، فكان واقف جنب الباب، وشه شاحب وعينيه مثبتة على شيء في آخر الغرفة.
قال أحمد بصوت منخفض
كريم... اتكلم.
بلع كريم ريقه وقال
يا فندم... إحنا لازم نخرج الحاجة ليلى من هنا الأول.
الحاجة ليلى صرخت
لا!
الجميع بص لها.
قالت وهي بتبكي
لو خرجتوني... هم هيعرفوا إنكم وصلتوا للمكان.
المقدم أحمد قرب منها
مين هم؟
لكنها سكتت.
أحمد كرر السؤال
مين اللي بتتكلمي عنهم يا حاجة ليلى؟
رفعت عينيها له، وقالت
الناس اللي كانوا بييجوا هنا بالليل.
النقيب كريم اتوتر
مين الناس دي؟
الحاجة ليلى هزت رأسها وقالت
أنا معرفش أسماءهم... بس ابني كان عارفهم.
الجملة وقعت على الجميع كالصاعقة.
أحمد قال
ابنك محمود؟
هزت رأسها.
أيوه.
اقترب كريم من المكان اللي كان بيبص عليه، ورفع الكشاف مرة تانية.
المقدم أحمد مشي وراه.
وهناك اكتشفوا إن الغرفة لم تكن مخزنًا للحمة فقط.
كان فيها سرير قديم، وبطانية، وكرسي، وبعض الأدوية، وأطباق طعام فارغة.
والأغرب...
إن كل شيء كان مرتبًا وكأن شخصًا ما يعيش في المكان منذ فترة.
أحمد التفت للحاجة ليلى
مين عايش هنا؟
ليلى بدأت تبكي.
أنا.
كريم قال بدهشة
إنتِ؟!
أيوه... من سبع سنين.
أحمد عقد حاجبيه
يعني إيه من سبع سنين؟
نظرت ليلى إلى الأرض، وقالت
من يوم ما مات محمود.
سكت الجميع.
ثم أضافت بصوت مكسور
أنا ماكنتش بشتري اللحمة علشان آكلها... كنت بجيبها علشان أطعم ناس.
أحمد سأل بسرعة
ناس مين؟
وقبل ما تجاوبه...
جاء صوت من آخر الممر.
خطوة.
ثم خطوة ثانية.
الجميع التفت ناحية الباب.
كريم رفع سلاحه وقال
مين هناك؟!
لم يرد أحد.
ثم سمعوا صوت مفتاح بيلف في قفل باب خارجي.
أحمد صرخ
اقفلوا كل المخارج!
رجال الشرطة اندفعوا ناحية الممر.
لكن قبل ما يوصلوا للباب...
سمعوا صوت محرك سيارة بيشتغل خارج السفينة.
ثم انطلقت السيارة بأقصى سرعة.
كريم جرى ناحية النافذة المكسورة، لكنه لم يرَ سوى أضواء خلفية تختفي بين الأشجار.
رجع وهو غاضب
حد كان مستنينا!
المقدم أحمد بص للحاجة ليلى
إنتِ اتصلتي بحد؟
صرخت
والله ما كلمت حد!
ثم فجأة...
وقعت عينيها على الأرض.
كان هناك شيء صغير بجوار الحائط.
مفتاح.
لكنها أول ما شافته، تغير لون وشها تمامًا.
أحمد التقطه وقال
المفتاح ده بتاع إيه؟
ليلى بدأت تهز رأسها بعنف
ما تفتحهش.
إيه اللي وراه؟
أرجوك يا ابني... ما تفتحهش.
لكن أحمد كان قد لاحظ شيئًا آخر.
على المفتاح كانت معلقة قطعة معدنية صغيرة، محفور عليها رقم
17
رفع أحمد عينيه إلى كريم وقال
دور على أي باب عليه رقم 17.
بدأ رجال الشرطة يفتشون المكان.
وبعد دقائق...
جاء أحدهم من آخر الممر وهو ينادي
يا فندم! لقيته!
اتجه الجميع نحوه.
كان هناك باب صغير شبه مخفي خلف مجموعة من الصناديق القديمة.
وفوقه...
نفس الرقم.
17.
الحاجة ليلى انهارت على الأرض.
وقالت وهي تبكي
محمود حذرني... وقال لي مهما حصل، ما أفتحش الباب ده.
أحمد أمسك المفتاح.
وقبل ما يدخله في القفل...
رن هاتف الحاجة ليلى.
نظرت إلى الشاشة.
ولأول مرة منذ وصول الشرطة، ظهر الرعب الحقيقي على وجهها.
أحمد سألها
مين بيتصل؟
لم تجب.
رن الهاتف مرة ثانية.
ثم مرة ثالثة.
أحمد مد يده
هاتيه.
لكن ليلى شدته إلى صدرها وقالت
لو رديت... كل اللي حصل من سبع سنين هيتكرر.
وفي نفس اللحظة...
جاء صوت طرق من خلف الباب رقم 17.
ثلاث طرقات بطيئة.
ثم صوت رجل من الداخل
يا حاجة ليلى... افتحي.
تجمدت ليلى في مكانها.
لأن الصوت...
⏩
كان صوت ابنها محمود محدش اتحرك.
حتى صوت أنفاسهم بقى واضح في الممر الضيق.
المقدم أحمد بص للحاجة ليلى، ثم بص للباب.
ده صوت مين؟
ليلى كانت بتبص للباب كأنها شايفة شبح قدامها.
قالت بصوت مبحوح
محمود.
النقيب كريم قرب منها
إنتِ متأكدة إن ده صوت ابنك؟
هزت رأسها بسرعة.
أنا أمه... مستحيل أغلط في صوته.
من خلف الباب جاء الصوت مرة تانية
يا أمي... افتحي.
ليلى بدأت تبكي.
محمود مات من سبع سنين.
أحمد أشار للرجال يثبتوا أماكنهم، ثم قال بصوت حازم
محدش يفتح الباب.
فجأة ساد الصمت.
ثواني مرت...
ثم سمعوا صوت جرّ شيء ثقيل على الأرض من الداخل.
كريم همس
في حد جوه.
أحمد حط إيده على المقبض.
وقبل ما يفتحه، لاحظ ورقة صغيرة مدسوسة تحت الباب.
سحبها ببطء.
كانت الورقة قديمة، ومكتوبة بخط يد.
فتحها.
وفي أول سطر كان مكتوب
لو الشرطة وصلت للمكان، يبقى أنا فشلت.
أحمد رفع عينيه للحاجة ليلى.
الورقة دي بخط محمود؟
ليلى أخذتها منه، وبمجرد ما قرأت السطر الأول، انهارت في البكاء.
أيوه... ده خطه.
كريم قال
بس لو محمود هو اللي كتبها... مين اللي جوه؟
لم تجبه.
أحمد بدأ يقرأ باقي الورقة.
كانت الكلمات قليلة، لكنها أخطر مما توقع
يا أمي، متثقيش في أي حد يقولك إنه جاي ينقذنا. والستين كيلو مش أهم حاجة... أهم حاجة اللي بيحصل بعد ما اللحمة توصل.
أحمد توقف.
رفع رأسه ببطء.
يعني إيه اللي بيحصل بعد ما اللحمة توصل؟
ليلى مسحت دموعها وقالت
أنا معرفش.
كريم قاطعها
لا، إنتِ عارفة.
سكتت.
ثم قالت
أنا كنت بوصل اللحمة للمكان ده... لكن محمود هو اللي كان بيستلمها.
أحمد سأل
وبعد كده؟
كان بيقفل على نفسه جوه.
كل يوم؟
أيوه.
وليه؟
ليلى بصت ناحية الباب.
علشان كان بيحاول يحمي شخص.
كريم اتوتر
مين؟
وقبل ما تجاوب...
صدر من داخل الغرفة صوت ارتطام قوي.
ثم صرخة مكتومة.
أحمد صاح
افتحوا الباب!
ضرب أحد رجال الشرطة القفل، لكن الباب لم يتحرك.
كريم قال
القفل من الناحية التانية!
أحمد تراجع خطوة.
ثم قال
اكسروا الباب.
ضربوا الباب مرة...
ثم مرتين...
وفي الضربة الثالثة انفتح فجأة.
اندفعوا إلى الداخل.
الغرفة كانت شبه مظلمة.
لكن في منتصفها كان هناك كرسي مربوط بحبل.
والكرسي...
كان فاضي.
أما على الأرض، فكان هناك أثر أقدام مبلولة يمتد من الكرسي إلى حائط خلفي.
كريم قرب من الحائط.
يا فندم... هنا!
كان فيه باب سري صغير مفتوح.
أحمد قال
هو هرب من هنا.
لكن الحاجة ليلى كانت واقفة مكانها، تحدق في الأرض.
قالت بصوت مرتجف
مش هو اللي هرب.
أحمد التفت لها
أمال مين؟
رفعت إصبعها ناحية الكرسي.
اللي كان مربوط هنا... مش هو اللي كنا خايفين عليه.
ثم سكتت لحظة وقالت
ده كان الشخص اللي محمود كان بيحاول يحميه.
كريم اتجمد.
يعني الشخص اللي كان هنا اختفى؟
ليلى هزت رأسها.
لأ.
أمال فين؟
رفعت عينيها ناحية الباب السري.
راح لمحمود.
وفجأة...
من جهاز اللاسلكي الخاص بأحد الضباط، خرج صوت مشوش.
ثم صوت رجل يقول بوضوح
ماتدخلوش الممر.
أحمد أمسك الجهاز بسرعة
مين معايا؟
لم يرد أحد.
ثم عاد الصوت
لو دخلتوا... هتعرفوا ليه محمود مات.
وانقطع الاتصال.
نظر أحمد إلى كريم.
ثم إلى الممر السري.
وبدون ما حد ياخد باله...
الحاجة ليلى كانت قد اختفت من الغرفة.
صرخ كريم
الحاجة ليلى فين؟!
لكن ماحدش رد.
وفجأة سمعوا صوت باب حديد بيتقفل من بعيد.
أحمد جرى ناحية الممر.
وقبل ما يدخل، لمح شيئًا على الأرض.
كانت قطعة قماش صغيرة...
وعليها اسم مكتوب بالقلم
محمود أحمد انحنى والتقط قطعة القماش.
كان الاسم المكتوب عليها واضحًا
محمود.
قال كريم
يا فندم، الحاجة ليلى دخلت الممر!
أحمد رفع الكشاف واتجه بسرعة للباب الحديدي.
ورايا.
دخل الضابطان الممر، وتبعهم اثنان من رجال الشرطة.
كان الممر ضيقًا جدًا، والجدران مليانة آثار رطوبة قديمة.
كلما تقدموا، كانوا يسمعون صوت خطوات أمامهم.
لكن الغريب...
إن الخطوات كانت تتوقف كلما توقفوا.
كريم همس
⏩
في حد بيمشي قدامنا.
أحمد أشار له بالصمت.
وبعد أمتار، ظهر ضوء خافت في نهاية الممر.
اقتربوا بحذر.
كان المكان عبارة عن غرفة صغيرة فيها طاولة خشب قديمة.
وفوق الطاولة...
كانت هناك عشرات الدفاتر.
أحمد فتح أول دفتر.
أسماء.
تواريخ.
وأمام كل اسم رقم.
كريم قلب الصفحات بسرعة وقال
يا فندم، دي مش سجلات بيع لحمة.
أحمد بص له
عارف.
في الصفحة الأخيرة وجدوا اسمًا جعل الاثنين يتجمدان.
محمود ليلى.
وبجواره تاريخ وفوقه كلمة واحدة
اختفاء.
كريم قال
يعني محمود ما ماتش بالطريقة اللي الناس قالت عليها؟
قبل أن يرد أحمد، سمعوا صوتًا من خلفهم
هو ما ماتش يومها.
استداروا بسرعة.
كانت الحاجة ليلى واقفة عند مدخل الغرفة.
لكنها لم تكن وحدها.
كان خلفها رجل مسن يحمل مصباحًا صغيرًا.
أحمد رفع سلاحه
ارفع إيدك!
الرجل رفع يديه بهدوء وقال
لو كنت عايز أضركم، ماكنتش استنيتكم توصلوا لهنا.
أحمد قال
إنت مين؟
الرجل نظر للحاجة ليلى، ثم قال
أنا آخر واحد شاف محمود قبل ما يختفي.
كريم تقدم خطوة
إنت اللي كنت بتكلمه من جوه الباب؟
الرجل هز رأسه
لأ.
أمال مين؟
الرجل سكت.
ثم قال
الصوت اللي سمعتوه كان تسجيل.
أحمد عقد حاجبيه
تسجيل؟
أيوه.
ثم أشار إلى جهاز صغير فوق الطاولة.
محمود سجله قبل سبع سنين.
ليلى بدأت تبكي.
أحمد قال
وليه كنتوا بتخفوا الموضوع كل السنين دي؟
الرجل رد
لأن محمود اكتشف حاجة محدش كان المفروض يعرفها.
إيه هي؟
الرجل نظر للدفاتر.
كان فيه ناس بتدخل المكان ده بالليل... ومش كلهم كانوا غرباء.
كريم قال
مين؟
لكن الرجل لم يجب.
بدلًا من ذلك، مد يده إلى آخر درج في الطاولة، وأخرج ظرفًا بنيًا.
وضعه أمام أحمد.
محمود قال لي أسلمه للشرطة لو حصل يوم ودخلت هنا قوة رسمية.
أحمد فتح الظرف.
في داخله صورة قديمة.
رفعها أمام الضوء.
كان فيها محمود واقفًا أمام السفينة.
وبجواره...
المقدم أحمد نفسه.
تجمد أحمد مكانه.
كريم بص للصورة ثم بص له.
يا فندم... إنت كنت هنا قبل كده؟
أحمد لم يرد.
لأن الصورة كانت مؤرخة قبل سبع سنوات.
في نفس الأسبوع الذي مات فيه محمود.
وفجأة...
صدر صوت من جهاز التسجيل على الطاولة.
صوت محمود.
واضح جدًا
لو سمعت الرسالة دي يا أمي... يبقى الشخص اللي قدامك مش لازم تثقي فيه.
ثم توقف التسجيل لثانيتين.
وعاد صوت محمود
خصوصًا لو كان اسمه أحمد.
كل العيون اتجهت ناحية المقدم أحمد.
أما الحاجة ليلى...
فقالت بهدوء لأول مرة
علشان كده أنا اتصلت بالشرطة.
كريم سألها
ليه؟
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
علشان كنت مستنية اليوم اللي أحمد نفسه يدخل السفينة.
ساد الصمت.
ثم فجأة انطفأت كل الأنوار.
وفي الظلام...
سمعوا صوت باب بيتقفل.
وبعده صوت محمود مرة أخرى
دلوقتي... نقدر نبدأ الحساب ظل أحمد واقفًا على أول درجة.
لأول مرة منذ وصوله للمكان، ظهر التردد على وجهه.
كريم قرب منه وقال
يا فندم... لو المكان ده معمول علشان يستدرجك، يبقى لازم نرجع.
أحمد هز رأسه
لو رجعنا دلوقتي، مش هنعرف مين اللي بيحرك كل ده.
الحاجة ليلى كانت تبص للسلم، ودموعها بتنزل من غير صوت.
قالت
أنا استنيت سبع سنين علشان أوصل للحظة دي.
أحمد بص لها
إنتِ كنتِ عارفة إننا
---
هنلاقي السلم؟
قالت
محمود هو اللي علمني.
كريم سألها
إمتى؟
قبل موته بأيام.
الرجل الغامض تدخل
محمود ماقالش لها كل حاجة. قال لها بس تعمل اللي طلبه منها.
أحمد التفت إليه
وإنت عرفت منين؟
الرجل سكت.
أحمد اقترب منه
إنت مش أخو محمود، صح؟
الرجل رفع عينيه ببطء.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
أخيرًا سألت السؤال الصح.
كريم رفع سلاحه
انطق!
الرجل قال
أنا كنت شريكه.
شريكه في إيه؟
في محاولة كشف الحقيقة.
أحمد قال
حقيقة إيه؟
الرجل أخرج ورقة أخرى من جيبه.
الحقيقة اللي خلت محمود يختفي.
فتح الورقة.
كانت خريطة قديمة للسفينة.
وأشار إلى جزء في أسفلها.
هنا.
كريم قال
إيه الموجود هنا؟
الرجل رد
غرفة ماحدش يعرف عنها غير أربعة أشخاص.
أحمد سأله
مين الأربعة؟
الرجل رفع أربعة أصابع.
محمود... الحاجة ليلى... أنا...
ثم نظر مباشرة إلى أحمد.
وإنت.
ساد الصمت.
أحمد قال
أنا عمري ما شفت محمود قبل القضية دي.
الرجل رد
دي المشكلة.
ثم بدأ ينزل السلم.
لأنك شفتَه... بس مش فاكر.
أحمد تبعه.
كل درجة كانوا ينزلوا فيها، كان الهواء أبرد.
وفي النهاية وصلوا إلى ممر تحت الأرض.
كان فيه باب حديدي ضخم.
وفوق الباب لوحة صغيرة مكتوب عليها
17
كريم همس
إحنا رجعنا لنفس الرقم.
الحاجة ليلى مدت إيدها نحو الباب.
لكن قبل ما تلمسه...
سمعوا صوتًا من الداخل
ماما.
ليلى شهقت.
الصوت تابع
لو إنتِ فعلًا جيتي مع الشرطة... افتحي.
أحمد نظر للرجل الغامض.
الرجل قال
افتحي.
إنت متأكد؟
المرة دي... أيوه.
أحمد أعطى الإشارة.
فتح أحد الضباط الباب ببطء.
الغرفة كانت مظلمة.
لكن في المنتصف كان هناك جهاز تسجيل يعمل.
اقترب أحمد.
وضغط زر التشغيل.
خرج صوت محمود
أنا عارف إنكم هتوصلوا هنا في يوم من الأيام.
ثم صمت.
وبعدها قال
بس قبل ما تكملوا... لازم تعرفوا إن الستين كيلو لحمة مش كانت بتروح هنا علشان الأكل.
كريم قال
أمال كانت بتروح لمين؟
التسجيل تابع
كانت بتوصل لناس محتاجين.
أحمد قطب حاجبيه.
ثم جاء صوت محمود مرة أخرى
لكن اللي كان بيستلمها... كان بيحط معاها رسائل.
الرجل الغامض أغمض عينيه.
الحاجة ليلى قالت
الرسائل اللي فيها أسماء الناس.
أحمد التفت لها
أي ناس؟
لم تجب.
وفجأة سمعوا صوت ورق بيتقلب خلفهم.
استداروا.
كان أحد رجال الشرطة واقفًا عند صندوق خشبي.
فتح الصندوق.
وجد بداخله عشرات الملفات.
أخرج أول ملف.
على الغلاف كان مكتوبًا
القرية 7 سنوات.
ثم فتحه.
تغير وجهه.
يا فندم...
أحمد اقترب.
الملف كان يحتوي على صور وأسماء وتواريخ.
لكن بين كل الأسماء...
كان هناك اسم واحد متكرر.
أحمد.
كريم بص للمقدم.
إنت كنت بتعمل إيه هنا من سبع سنين؟
أحمد لم يجد إجابة.
وفي اللحظة نفسها...
انغلق باب الغرفة خلفهم بقوة.
ثم انطفأت الأنوار.
ومن الظلام جاء صوت شخص قريب جدًا
دلوقتي يا حضرة المقدم...
توقف لحظة.
ثم قال
فاكر أول مرة قابلت محمود؟
أحمد تجمد.
لأنه بدأ فجأة يتذكر...
مشهدًا قديمًا.
مكانًا.
صوت محمود.
ووجهًا كان يظن أنه نسيه منذ سبع سنوات.
ثم قال أحمد بصوت مرتجف
أنا... كنت هنا.
وفجأة أضاءت لمبة صغيرة في سقف الغرفة.
وكان أمامهم على الحائط...
صورة جماعية قديمة.
وفي منتصف الصورة كان محمود واقفًا.
وبجواره أحمد.
لكن الشخص الواقف في الطرف الآخر من الصورة...
كان شخصًا لم يتوقع أحد أن يراه.
ليلى أول ما شافته...
صرخت
إنت؟!انطفأت الأنوار بالكامل.
ثواني من الصمت مرّت، لكن بعدها بدأ صوت صفارة إنذار حادّة يملأ الممر.
كريم صرخ
يا فندم!
الكل مكانه! محدش يتحرك!
أحمد أخرج الكشاف الصغير من جيبه، لكن قبل ما يشغله، سمع صوت الحاجة ليلى
متشغلوش النور!
أحمد قال بعصبية
ليه؟
علشان هو مستني النور.
فجأة سمعوا صوت ارتطام قوي في آخر الممر.
كريم وجه سلاحه ناحية الصوت.
مين هناك؟!
جاء صوت رجل
أنا مش عدوكم.
أحمد صاح
اظهر!
وببطء ظهر رجل من الظلام.
كان في منتصف الخمسينات، وملابسه متسخة بالطين، وفي إيده دفتر قديم.
نظر للحاجة ليلى وقال
اتأخرتي.
ليلى ردت
كنت مضطرة.
أحمد اقترب منه
إنت مين؟
الرجل بص له للحظات، ثم قال
أنا أخو محمود.
كريم اتصدم
أخو محمود؟! بس الحاجة ليلى قالت إن محمود ابنها الوحيد!
ليلى أغمضت عينيها.
ثم قالت
أنا قلت للناس كده... علشان أحميه.
أحمد قال
يعني محمود عنده أخ؟
الرجل رد
عنده أخ... لكن مش بالاسم اللي تعرفوه.
ثم فتح الدفتر.
ومحمود كان بيحاول يوصل للحقيقة قبل ما يختفي.
أحمد مد يده للدفتر، لكن الرجل سحبه بسرعة.
مش دلوقتي.
ليه؟
لأن في حد برا الغرفة عارف إننا فتحنا الباب.
كريم اتجه ناحية الممر.
مفيش حد.
الرجل ابتسم
إنت متأكد؟
في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات فوقهم.
خطوة...
ثم خطوة...
ثم صوت كرسي بيتحرك.
أحمد رفع رأسه.
في دور تاني فوق السفينة؟
الرجل قال
مش دور.
ثم أشار للسقف.
في غرفة مخفية.
كريم قال
إزاي نوصل لها؟
الرجل بص للحاجة ليلى.
ليلى تقدمت ناحية الحائط، ووضعت يدها على حجر صغير.
ضغطت عليه.
فصدر صوت طقطقة.
وانفتح جزء من الجدار.
ظهر سلم ضيق نازل إلى أسفل.
كريم بص بدهشة
إحنا كنا فاكرين إننا تحت السفينة أصلًا.
ليلى قالت
لأن المكان ده أقدم مما تتخيلوا.
أحمد بدأ ينزل أول درجة.
لكن قبل ما ينزل، الرجل أمسك ذراعه.
استنى.
إيه؟
⏩
الرجل أشار إلى أول درجة.
كان عليها ظرف صغير.
أحمد فتحه.
وجد داخله ورقة واحدة.
قرأها بصوت مرتفع
إلى المقدم أحمد...
توقف.
نظر للجميع.
ثم أكمل
لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنت أخيرًا رجعت للمكان اللي بدأت منه كل حاجة.
كريم قال
يا فندم...
لكن أحمد لم يرد.
لأن أسفل الرسالة كانت هناك جملة أخيرة
واسأل نفسك... ليه محمود كان عارف إنك هترجع بعد سبع سنين بالضبط؟
ساد الصمت.
ثم سمعوا صوتًا من أسفل السلم.
صوت شاب.
هادئ.
واضح.
ماما...
الحاجة ليلى شهقت.
محمود؟
وجاء الصوت مرة ثانية
أنا مستنيكي.
ليلى اندفعت ناحية السلم.
أحمد أمسك ذراعها
استني!
صرخت
سيبني! ده ابني!
لكن الرجل الغامض قال بهدوء
ده مش محمود.
تجمدت ليلى.
إنت متأكد؟
قال
لأن محمود كان عنده علامة في صوته...
ثم سكت.
وفجأة جاء الصوت من أسفل السلم مرة أخرى
ماما... متصدقيهوش.
الحاجة ليلى بدأت تبكي.
لأن الجملة دي...
كانت بالضبط نفس الجملة التي كان محمود يقولها لها كل مرة يخاف عليها.
وفي اللحظة نفسها، ظهر ظل شخص على الحائط أسفل السلم.
كان واقفًا...
ينتظرهم.
ثم قال
انزلوا... وهتعرفوا الحقيقة.
أحمد شد قبضته على سلاحه.
وبدأ ينزل أول درجة.
لكن قبل ما يضع قدمه على الثانية...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
المكالمة كانت من رقم مجهول.
ضغط على الرد.
لم يتكلم أحد.
فقط سمع صوت تسجيل قديم
يا أحمد... لو سمعت صوتي، يبقى أنت وقعت في الفخ.
ثم انقطع الاتصال.
أحمد رفع عينيه ناحية السلم.
وفي تلك اللحظة فقط...
فهم أن دخوله السفينة لم يكن مصادفة.
كان هو الهدف من البداية انفتح الباب على آخره.
الجميع رفع سلاحه في نفس اللحظة.
كان الواقف أمامهم العمدة.
وفي إيده حقيبة جلدية قديمة.
كريم صرخ
ارفع إيدك!
العمدة رفع الحقيبة بدل إيديه وقال
مش جاي أأذي حد.
أحمد قال بحدة
حط الحقيبة على الأرض.
العمدة نفذ الأمر ببطء.
ثم نظر للحاجة ليلى.
لسه بتنفذي وصية محمود؟
ليلى ردت بصوت مرتعش
إنت عارف إنه كان عايش.
العمدة سكت.
أحمد اقترب منه
اتكلم.
العمدة تنهد وقال
محمود ما ماتش بالطريقة اللي اتقالت لكم.
كريم سأله
فينه؟
العمدة بص للأرض.
ماعرفش.
أحمد أمسكه من ذراعه
كفاية كذب!
العمدة قال بسرعة
أنا آخر واحد شافه قبل اختفائه.
ثم أشار للحقيبة.
والحقيبة دي هي السبب.
أحمد فتحها.
كانت مليانة أوراق وصور قديمة.
لكن في القاع كان فيه ظرف أبيض صغير.
عليه اسم واحد فقط
ليلى.
الحاجة ليلى مدت إيدها، لكن أحمد منعها.
أنا هفتحه.
فتح الظرف.
في داخله رسالة قصيرة.
بدأ يقرأ
يا أمي، لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى العمدة رجع للحقيقة.
ليلى شهقت.
أحمد كمل
وما تصدقيش أي حد يقول لك إني مت.
ثم كانت هناك جملة جعلت الجميع يتجمد
أنا عايش.
سقطت الورقة من يد أحمد.
كريم قال
إنت قلت إنه مختفي من سبع سنين!
العمدة رد
كان مختفي... لكن مش ميت.
الحاجة ليلى بدأت تبكي
فين ابني؟
العمدة لم يجب.
أحمد أمسكه من كتفه
فين محمود؟
العمدة قال
لو عرفتم مكانه دلوقتي، هتخلوه في خطر.
إحنا شرطة.
وده بالضبط سبب خوفي.
فجأة رن هاتف العمدة.
نظر للشاشة.
تغير وجهه.
أحمد لاحظ ذلك.
مين؟
العمدة لم يرد.
رن الهاتف مرة أخرى.
هذه المرة ظهر على الشاشة اسم
محمود.
الحاجة ليلى شهقت.
ابني!
مدت يدها للهاتف.
لكن العمدة منعها.
ماترديش.
أحمد قال
رد.
العمدة هز رأسه
لو رديت، هيعرفوا إننا لقينا الحقيبة.
أحمد خطف الهاتف وضغط على الإجابة.
لم يسمع أحد شيئًا.
ثم جاء صوت شاب من الطرف الآخر
ماما موجودة؟
ليلى بدأت تبكي
محمود؟!
الصوت قال
ماما... أنا آسف.
ثم انقطع الخط.
أحمد حاول الاتصال مرة أخرى.
الهاتف أصبح مغلقًا.
كريم بص للعمدة
كان بيتصل منين؟
العمدة قال
من المكان اللي محدش يقدر يوصل له.
فين؟
العمدة رفع عينيه نحو السقف.
تحتنا.
ساد الصمت.
أحمد فهم فجأة.
في أنفاق تحت السفينة.
العمدة هز رأسه.
وفيها محمود.
الحاجة ليلى تقدمت نحو الباب
وديني له.
العمدة قال
لسه بدري.
لكن قبل ما يكمل...
اهتزت الأرض تحت أقدامهم.
سقطت بعض الصناديق.
ثم سمعوا صوت ارتطام قوي من أسفل.
كريم صاح
في حد تحتنا!
أحمد أمسك الكشاف ووجهه للأرض.
كان هناك شق صغير ظهر بين بلاطات الأسمنت.
ومن خلاله...
وصلهم صوت ضعيف جدًا.
صوت رجل يصرخ
ماما!
ليلى جرت ناحية الأرض.
محمود!
ثم جاء صوته مرة أخرى
ماما... ماتخليش أحمد ينزل!
أحمد تجمد.
كريم بص له.
والعمدة تراجع خطوة.
ثم فجأة...
ظهر تحت الشق ظل شخص آخر.
كان واقفًا بجوار محمود.
وصوت غريب قال
لو أحمد نزل... محمود مش هيطلع.
الحاجة ليلى حطت إيدها على بوقها.
أما أحمد...
فأدرك أن هناك شخصًا آخر في النفق.
شخصًا كان يعرفه منذ سبع سنوات.
وشخصًا لم يكن اسمه موجودًا في أي ملف صرخة الحاجة ليلى دوّت في الغرفة.
كل العيون اتجهت ناحية الشخص الموجود في الصورة.
كان رجلًا يعرفه أهل القرية جيدًا...
عمدة القرية.
كريم بص للصورة ثم قال
العمدة؟!
الحاجة ليلى كانت بتترعش.
أيوه... هو.
المقدم أحمد فضل ساكت، كأنه بيحاول يجمع قطع ذاكرته.
قال
الصورة دي اتاخدت إمتى؟
ليلى ردت
قبل اختفاء محمود بأسبوع.
كريم التفت لأحمد
يعني حضرتك كنت تعرف محمود قبل سبع سنين.
أحمد مسك رأسه.
أنا مش فاكر.
فجأة الرجل الغامض قال
لأنك ماكنتش عايز تفتكر.
أحمد رفع عينيه بغضب
إنت بتتهمني بإيه؟
أنا مش بتهمك.
ثم أشار إلى جهاز التسجيل.
محمود هو اللي اتهمك.
ضغط زرًا آخر.
خرج صوت محمود
أحمد مش شرير... لكنه اتورط في حاجة أكبر منه.
أحمد اتنفس ببطء.
ثم تابع التسجيل
ولو وصل اليوم اللي أحمد ينسى فيه كل حاجة، يبقى لازم ترجّعوله ذاكرته.
كريم قال
إزاي يعني نرجع له ذاكرته؟
وفجأة...
انفتح درج صغير في الحائط.
خرج منه شريط تسجيل قديم.
وعليه ورقة مكتوب عليها
شغلوه قدامه.
أحمد قال
شغلوه.
وضع كريم الشريط في جهاز قديم موجود على الطاولة.
خرج صوت تشويش...
ثم أصوات أشخاص بيتكلموا.
صوت محمود
إحنا لازم نوقف الموضوع.
صوت رجل آخر
لو وقفت، ناس كتير هتتأذي.
محمود
أنا مش هسمح لهم يكملوا.
ثم جاء صوت ثالث.
أحمد بمجرد ما سمعه...
تجمد.
كان صوت العمدة.
محمود، آخر مرة بقولك... ابعد.
ثم جاء صوت أحمد نفسه
سيبه يا محمود... الموضوع أكبر منك.
كريم بص له بصدمة.
لكن أحمد قال
أنا مش فاكر الكلام ده.
استمر التسجيل.
محمود قال
لو حصل لي حاجة، الحاجة ليلى عارفة مكان الملفات.
العمدة قال
والشرطة؟
أحمد رد
الشرطة هتدخل لو حصل خطر.
ثم انقطع التسجيل فجأة.
صمت ثقيل سيطر على الغرفة.
الحاجة ليلى قالت
محمود ماكانش بيحاول يهرب.
أحمد بص لها
أمال كان بيعمل إيه؟
كان بيحاول يحمي أهل القرية.
كريم سأل
من مين؟
ليلى أشارت إلى الملفات.
من اللي كانوا بيجمعوا أسماء الناس وبيستغلوا خوفهم واحتياجهم.
الرجل الغامض أضاف
ومحمود كان بيجمع الأدلة.
أحمد فتح ملفًا آخر.
وجد أسماء عشرات الأشخاص.
لكن اسمًا واحدًا كان عليه خط أحمر.
محمود.
وتحته جملة
تم إسكاته.
أحمد قلب الصفحة.
وجد صورة لمحمود.
لكن خلف الصورة كان هناك تاريخ.
بعد تاريخ وفاته المعلن بأسبوعين.
كريم قال
مستحيل.
الحاجة ليلى اقتربت ببطء.
أمسكت الصورة.
وبمجرد ما شافتها، قالت
أنا كنت عارفة.
أحمد التفت لها
إنتِ كنتِ عارفة إن محمود كان عايش بعد التاريخ اللي قالوا إنه مات فيه؟
هزت رأسها.
أيوه.
طب ليه سكتي؟
دموعها نزلت.
لأنه هو اللي طلب مني.
طلب منك إيه؟
ليلى رفعت عينيها.
قال لي يا أمي، لو عايزة تفضلي عايشة... كل يوم اشتري ستين كيلو لحمة، وروحي بيها للسفينة.
سكتت لحظة.
ثم قالت
وما تسأليش مين اللي هيستلمها.
وفجأة...
صدر صوت طرق على الباب.
ثلاث طرقات.
ثم صوت رجل
الحاجة ليلى...
ليلى اتجمدت.
الصوت تابع
الوقت خلص.
أحمد أشار للشرطة بالاستعداد.
ثم سمعوا صوت مفتاح يدخل في القفل من الخارج.
كريم همس
حد هيقتحم المكان.
أحمد رفع سلاحه.
وفي اللحظة التي بدأ فيها الباب يتحرك...
جاء صوت محمود من جهاز التسجيل
لو الباب اتفتح...
توقف التسجيل لثانية.
ثم أكمل
ما تثقوش في الشخص اللي هيكون أول واحد يدخل.
وانفتح الباب ببطء.
وظهر شخص أمامهم...
لكن المفاجأة لم تكن في هويته.
المفاجأة كانت في الشيء الذي كان يحمله في يده لم يستطع أحمد الكلام.
كريم بص إليه ثم إلى الرجل.
يا فندم... حضرتك تعرفه؟
أحمد لم يرد.
الحاجة ليلى كانت تحدق في الرجل وكأنها ترى شخصًا عاد من عالم آخر.
مستحيل...
الرجل قال بهدوء
مش مستحيل يا حاجة.
ثم نظر لمحمود.
قول لها.
محمود اقترب من أمه.
ماما... هو ما ماتش.
ليلى كانت بتترعش.
بس أنا حضرت دفنته.
الرجل ابتسم بحزن.
اللي اتدفن كان شخص تاني.
كريم قال
إنت عايز تقول إن الجنازة كلها كانت تمثيلية؟
الرجل رد
مش تمثيلية.
ثم أشار إلى الصندوق المعدني.
كانت خطة.
أحمد استعاد تماسكه وقال
ليه؟
الرجل بص له مباشرة
علشان ننقذ محمود.
أحمد اقترب
وتخلوا القرية كلها تعتقد إنك مت؟
كان لازم.
من مين؟
الرجل سكت.
محمود قال
من الناس اللي كانوا بيدوروا عليا.
أحمد نظر لمحمود
إنت اختفيت سبع سنين ليه؟
محمود رد
لأني اكتشفت إن اللي قدامي مش مجرد سرقة أو تجارة ممنوعة.
سكت لحظة.
كنت باكتشف شبكة بتستغل أهل القرية وتجمع معلومات عنهم، وتستخدمها لتهديدهم والسيطرة عليهم.
كريم قال
واللحمة؟
محمود ابتسم
كانت وسيلة.
وسيلة لإيه؟
كل شحنة كانت بتوصل لبيت محتاج. لكن جوه كل كيس كان فيه جزء من رسالة.
أحمد عقد حاجبيه.
رسائل مشفرة.
محمود هز رأسه.
بالضبط.
العمدة قال
وكانت الرسائل بتوصلنا لمكان الملفات.
أحمد نظر إليه
يعني إنت كنت شريكهم؟
العمدة قال
كنت بحاول أحميهم.
فجأة جاء صوت ارتطام من آخر الممر.
محمود تغير وجهه.
هم وصلوا.
كريم رفع سلاحه.
مين؟
محمود قال
الناس اللي فضلوا يدوروا عليا سبع سنين.
أحمد قال
كام واحد؟
محمود بص ناحية الظلام.
مش عارف.
ثم سمعوا خطوات كثيرة تقترب.
أحمد أشار للشرطة
استعدوا.
الحاجة ليلى أمسكت يد محمود.
مش هسيبك تاني.
محمود ضغط على يدها.
المرة دي أنا اللي هحميكي.
وفجأة...
انطفأ الضوء.
ثم اشتغل جهاز صغير في الصندوق المعدني.
ظهر على شاشة قديمة رقم يتناقص
10... 9... 8...
كريم صرخ
إيه اللي بيحصل؟!
محمود اندفع ناحية الصندوق.
حد شغّله!
أحمد أمسك ذراعه
اقف!
محمود صرخ
لو الرقم وصل للصفر، كل الملفات هتتحرق!
أحمد بص للشاشة.
7... 6... 5...
كريم قال
نوقفه إزاي؟
محمود قال
المفتاح!
الحاجة ليلى أخرجت المفتاح رقم 17 من جيبها.
محمود نظر إليها.
ماما... إنتِ لسه محتفظة بيه؟
طبعًا.
محمود قال
حطيه في الصندوق!
لكن قبل ما تتحرك...
ظهر شخص من آخر الممر.
ورفع صوته
متعمليش كده!
الجميع التفت.
كان يحمل حقيبة سوداء.
وقال
لأن المفتاح ده مش هيوقف الجهاز...
ثم ابتسم.
هيفتحه المكان كله سكت.
أحمد قرب من الشق في الأرض وقال
إنت مين؟
الصوت من الأسفل
⏩
ضحك ضحكة قصيرة.
لسه مش فاكرني؟
أحمد شد قبضته.
اظهر.
مش هينفع.
كريم بص للعمدة
إنت تعرفه؟
العمدة لم يرد.
وهنا فهم أحمد أن الرجل الغامض ليس وحده من يخفي الحقيقة.
قال أحمد
العمدة... إنت تعرف مين تحت؟
العمدة قال بصوت منخفض
أيوه.
مين؟
الرجل اللي محمود كان خايف منه.
الحاجة ليلى صرخت
هو السبب في كل اللي حصل!
العمدة هز رأسه
لأ... هو مش السبب.
ثم نظر لأحمد.
هو كان بيحاول يمنع الكارثة.
أحمد اتصدم.
إزاي؟
قبل أن يرد، سمعوا صوت محمود من تحت
ماما... اسمعيني.
ليلى اقتربت من الأرض.
أنا سامعاك يا ابني.
الستين كيلو لحمة...
توقفت أنفاس الجميع.
مش كانت علشان الناس اللي هنا.
أحمد قال
أمال كانت لمين؟
جاء صوت محمود
كانت علشان نوصل رسالة.
كريم سأل
رسالة لمين؟
لكل واحد كان فاكر إن الحقيقة هتفضل مدفونة.
ثم سكت محمود لحظة.
وآخر رسالة... كانت ليك يا أحمد.
أحمد تجمد.
ليه أنا؟
لأنك كنت أول واحد اكتشف الموضوع.
أحمد هز رأسه
أنا مش فاكر.
محمود قال
عارف.
ثم جاء صوت الرجل الآخر
لأنهم خلّوك تنسى.
كريم رفع سلاحه ناحية الشق.
مين هم؟
لم يرد الرجل.
فجأة سمعوا صوت معدن يتحرك تحت الأرض.
ثم صوت باب حديدي بيتفتح.
العمدة قال بسرعة
لازم نخرج.
أحمد رفض
محدش هيتحرك.
لو فضلنا هنا، كل حاجة هتنهار.
كريم بص له
إيه اللي هينهار؟
العمدة لم يجب.
لكن الأرض اهتزت مرة ثانية.
هذه المرة أقوى.
سقطت قطعة من السقف.
أحمد صرخ
الكل يطلع!
الحاجة ليلى رفضت
ابني تحت!
أحمد قال
هنطلعه.
بدأ رجال الشرطة يبعدون الحجارة عن الشق.
بعد دقائق، ظهر غطاء حديدي صغير.
رفعوه.
كان هناك سلم نازل إلى الظلام.
أحمد أخذ الكشاف.
أنا هنزل.
كريم أمسكه
يا فندم، استنى.
أحمد رد
محمود مستنيني من سبع سنين.
ونزل.
كريم نزل خلفه.
الحاجة ليلى والعمدة تبعوهما.
الممر تحت الأرض كان أطول بكثير مما توقعوا.
وبعد مسافة طويلة...
ظهر ضوء.
اقترب أحمد ببطء.
كانت هناك غرفة واسعة.
وفي منتصفها...
رجل جالس على كرسي.
رفع رأسه.
كان وجهه شاحبًا ولحيته طويلة.
لكن الحاجة ليلى أول ما شافته...
صرخت
محمود!
الرجل وقف.
وعيناه امتلأتا بالدموع.
ماما.
اندفعت نحوه.
لكن قبل أن تصل إليه...
ظهر رجل آخر من خلف الظلام.
رفع يده وقال
قفوا مكانكم.
أحمد وجه سلاحه إليه.
الرجل قال
لو أطلقت... مش محمود بس اللي هيموت.
ثم أشار إلى الحائط.
كان هناك صندوق معدني صغير موصل بأسلاك.
كريم قال
إيه ده؟
الرجل رد
الدليل الوحيد اللي يثبت الحقيقة.
أحمد قال
مين إنت؟
الرجل اقترب من الضوء.
وبمجرد ما ظهر وجهه بالكامل...
أحمد أسقط سلاحه من شدة الصدمة.
لأنه كان يعرفه جيدًا.
كان شخصًا...
دفنته القرية بنفسها قبل سبع سنوات تجمدت الحاجة ليلى وهي ماسكة المفتاح.
محمود صرخ
ماما، ما تحطيهوش!
الرجل صاحب الحقيبة تقدم خطوة.
حطيه يا حاجة.
أحمد وجه سلاحه إليه
ولا خطوة كمان!
الرجل ابتسم
إنت لسه فاكر إنك مسيطر؟
كريم اقترب من أحمد وهمس
يا فندم، مين ده؟
أحمد لم يرد.
كان مركزًا في وجه الرجل.
ثم فجأة قال
أنا شفتك قبل كده.
الرجل ابتسم.
أخيرًا.
محمود قال
ده هو.
أحمد بص له
هو مين؟
محمود قال
الشخص اللي كان بيبعتلي الرسائل طول السنين.
الرجل ضحك
مش كلها.
ثم نظر إلى محمود
بس كنت عايز أتأكد إنك لسه فاكر.
العداد على الصندوق استمر
5... 4...
أحمد قال
كريم، خد المفتاح.
كريم اندفع ناحية ليلى.
لكن الرجل فتح الحقيبة بسرعة وأخرج منها جهازًا صغيرًا.
ضغط زرًا.
فانطفأت كل أجهزة الإضاءة.
وفي الظلام، سمعوا صوت حركة سريعة.
ثم صرخة ليلى
محمود!
أحمد شغّل الكشاف.
محمود لم يكن في مكانه.
وكذلك الرجل.
كريم قال
اختفوا!
أحمد وجه الكشاف في كل اتجاه.
ثم لمح بابًا صغيرًا مفتوحًا في الحائط.
جرى نحوه.
لكن قبل ما يدخل، سمع صوت محمود من الداخل
يا أحمد... لو دخلت لوحدك، مش هترجع.
أحمد وقف.
إنت فين؟
أنا قدامك.
ليه مش شايفك؟
علشان النور هنا مش زي النور اللي تعرفه.
كريم قال
يا فندم، دي ألعاب لإضاعة الوقت.
أحمد قال
لا.
ثم أشار إلى الأرض.
كانت هناك آثار أقدام حديثة.
دخل أحمد الممر.
وبعد خطوات قليلة، وجد الحاجة ليلى جالسة على الأرض، والمفتاح في يدها.
محمود خدوه.
أحمد ساعدها على الوقوف.
مين؟
أشارت إلى آخر الممر.
الرجل اللي كان معاه.
وفجأة...
ظهر صوت محمود من بعيد
يا أحمد!
أحمد جرى ناحية الصوت.
لكن الصوت اختفى.
وفي مكانه وجدوا بابًا آخر.
فوقه لوحة مكتوب عليها
غرفة الذاكرة.
كريم قال
غرفة إيه؟
أحمد فتح الباب.
وكانت الصدمة...
الجدران كلها مغطاة بصور.
صور لأهل القرية.
صور للعمدة.
صور لمحمود.
وصور...
لأحمد نفسه.
لكن أكثر صورة أخافته كانت صورة قديمة له وهو يقف بجوار محمود قبل سبع سنوات.
وخلفهما كانت الحاجة ليلى.
أحمد قرب من الصورة.
وجد تاريخها.
قبل يوم واحد من إعلان وفاة محمود.
وتحت الصورة جملة مكتوبة
غدًا سيبدأ النسيان.
أحمد شعر بدوار.
ثم سمع صوتًا من خلفه.
فاكر دلوقتي؟
استدار.
كان محمود واقفًا عند الباب.
لكن هذه المرة...
لم يكن وحده.
كان الرجل الغامض يقف خلفه.
ومحمود قال
دلوقتي يا أحمد، لازم تعرف الحقيقة كاملة.
أحمد رفع سلاحه.
ابدأ.
محمود نظر إليه طويلًا.
ثم قال
إنت ماكنتش مجرد ضابط عرف القضية...
وسكت.
إنت كنت الشخص اللي ساعدني أخفيها.
أحمد تجمد.
كريم بص له بصدمة.
أما الحاجة ليلى...
فقالت بهدوء
علشان كده أنا كنت مستنية رجوعك من سبع سنين.
ثم أضافت
بس في حاجة واحدة محمود ماقالهالكش.
أحمد سأل
إيه؟
ليلى رفعت المفتاح رقم 17.
المفتاح ده مش بيفتح الباب...
ثم نظرت إلى محمود.
المفتاح ده بيفتح الذاكرة محمود اقترب من أحمد ببطء.
ماما قالت لك الحقيقة.
أحمد بص للمفتاح في إيد الحاجة ليلى.
إزاي مفتاح يفتح الذاكرة؟
محمود أشار إلى جهاز صغير مثبت في الحائط.
المفتاح مش هو اللي هيفتحها... هو بس هيشغل الجهاز.
كريم قال بسرعة
وإنتوا ناويين تعملوا إيه بالجهاز ده؟
محمود رد
نخليه يفتكر.
أحمد تراجع خطوة.
يفتكر إيه؟
محمود بص له بحزن
اليوم اللي اختفيت فيه.
ساد الصمت.
الحاجة ليلى قربت من أحمد.
محمود قال لي لو جه يوم ودخلت الشرطة السفينة، أجيبك هنا.
أحمد قال
ليه أنا بالذات؟
محمود رد
لأنك الوحيد اللي كان موجود معايا وقتها.
كريم اتدخل
طيب إنت كنت عارف إن أحمد هينسى؟
محمود هز رأسه
أنا ماكنتش عارف.
ثم نظر للرجل الواقف بجواره.
هو اللي عرف.
أحمد وجه الكشاف للرجل.
إنت عملت إيه؟
الرجل قال
أنا ماعملتش حاجة لأحمد.
أحمد صاح
أمال مين عمل؟!
الرجل رد
الناس اللي كنا بنحاول نهرب منهم.
ثم أشار إلى غرفة مليئة بالأجهزة القديمة.
كان عندهم طريقة يخلو بيها الشخص ينسى أحداث معينة من خلال صدمة شديدة وتسجيلات موجهة.
كريم قال
يعني أحمد اتعرض لحادث؟
محمود قال
أيوه.
أحمد وضع يده على رأسه.
وفجأة...
بدأت صور متقطعة تظهر في ذهنه.
صوت فرامل.
ليل.
السفينة.
محمود بيجري.
وصوت شخص يصرخ
اقفل الباب!
أحمد شهق.
أنا فاكر...
كريم قرب منه
إيه اللي فاكره؟
أحمد أغلق عينيه.
كنت مع محمود.
محمود قال
كمل.
كان معانا شخص تالت.
الجميع سكت.
أحمد بدأ يتذكر أكثر.
الشخص ده كان ماسك ملف.
محمود سأله
مين؟
أحمد فتح عينيه.
ثم قال
العمدة.
العمدة لم يكن موجودًا في الغرفة.
أحمد انتبه فجأة.
فين العمدة؟
محدش رد.
الحاجة ليلى بصت حولها.
كان واقف هنا.
كريم قال
هو خرج من شوية.
محمود تغير وجهه.
يبقى لازم نخرج حالًا.
أحمد سأله
ليه؟
محمود قال
لأن العمدة ماكانش بيساعدنا.
ثم سكت لحظة.
هو كان بيحاول ياخد الملف.
فجأة سمعوا صوت باب بيتقفل في الممر.
ثم صوت العمدة
لو عايزين محمود يفضل عايش... محدش يتحرك.
كريم رفع سلاحه.
العمدة!
جاء صوته من بعيد
سيبوا السلاح على الأرض.
محمود همس
هو وصل للملف.
أحمد قال
أي ملف؟
محمود بص له.
الملف اللي فيه أسماء كل الناس اللي شاركوا في اللي حصل.
ثم سمعوا صوت العمدة مرة أخرى
والاسم الأول في الملف...
توقف لحظة.
ثم قال
هو اسمك يا أحمد.
تجمد الجميع.
وفجأة بدأ صوت إنذار جديد يملأ الأنفاق.
والباب الحديدي أمامهم بدأ يُغلق ببطء.
محمود صرخ
أحمد! لو الباب اتقفل، هنفضل هنا!
اندفع أحمد ناحية الباب.
لكن قبل ما يوصل...
سمع صوت العمدة يقول
ولو عايز تعرف ليه اسمك موجود...
ثم ضحك.
اسأل أمك.
الحاجة ليلى انهارت في مكانها.
وأحمد التفت إليها.
أمي؟
ليلى لم تستطع النظر في عينيه.
ثم قالت جملة واحدة
أنا كنت عارفة إنك هتنسى يا أحمد...
وتوقفت.
وعارفة كمان إن محمود هيرجع يومًا ما علشان يطلب منك الحساب أحمد وقف قدام الحاجة ليلى، وعينيه مليانة صدمة.
إنتِ عارفة إيه عني؟
ليلى كانت بتبكي.
أكتر مما تتخيل.
كريم قال
يا حاجة، لازم توضحي دلوقتي.
ليلى مسحت دموعها وقالت
من سبع سنين، محمود جه لي وقال إن أحمد في خطر.
أحمد قاطعها
إيه علاقتي بمحمود أصلًا؟
محمود اقترب منه.
كنا بنشتغل مع بعض.
في إيه؟
في القضية اللي محدش يعرف عنها.
أحمد ضغط على رأسه.
صور متقطعة بدأت ترجع له.
محمود بيحط ملف على طاولة.
العمدة واقف قدامهم.
وأحمد بيقول
لو الملف ده خرج، ناس كتير هتتأذى.
محمود يرد
ولو فضل عندهم، ناس أكتر هتضيع.
ثم صوت انفجار بعيد.
أحمد فتح عينيه فجأة.
افتكرت!
الجميع اقترب منه.
قال أحمد
أنا ومحمود كنا بنحاول نخرج الملفات من السفينة.
محمود هز رأسه.
صح.
والعمدة لحقنا.
صح.
لكن كان فيه شخص رابع.
محمود سكت.
أحمد قال
كان معاه مفتاح رقم 17.
الحاجة ليلى شهقت.
يعني افتكرت.
أحمد بص لها
مين الشخص الرابع؟
لم تجب.
وفي اللحظة نفسها، دوّى صوت العمدة من السماعة
قول له يا حاجة.
ليلى ارتعشت.
العمدة أكمل
قوليله مين كان صاحب المفتاح.
أحمد صاح
مين؟!
ليلى أغمضت عينيها.
ثم قالت
أبوك.
ساد الصمت.
كريم بص لأحمد بدهشة.
محمود قال
أيوه.
أحمد تراجع خطوة.
أبويا مات من سنين.
ليلى ردت
عارفة.
أمال إزاي كان هنا؟
محمود قال
لأن المفتاح ماكانش معاه.
ثم أشار إلى المفتاح الموجود في يد ليلى.
كان معاك إنت.
أحمد نظر إلى يده.
أنا؟
أيوه.
ثم أضاف
وأبوك كان عايزك تستخدمه.
كريم سأل
في إيه؟
محمود رد
في الغرفة اللي إحنا واقفين فيها.
أحمد نظر حوله.
بس الغرفة دي مفتوحة.
محمود هز رأسه.
مش الغرفة كلها.
وأشار إلى الحائط.
في جزء تاني مستخبي.
بدأ رجال الشرطة يفتشون الجدار.
وبعد دقائق وجدوا لوحة معدنية صغيرة.
أحمد وضع المفتاح فيها.
طَق.
انفتح جزء من الحائط.
ظهر صندوق أسود.
لكن فوقه كانت صورة قديمة.
أحمد رفعها.
الصورة كانت له وهو صغير، واقف بجوار والده.
وخلفهما...
كان نفس باب السفينة.
وعلى ظهر الصورة جملة بخط والده
لما تكبر، هتفهم ليه خبّيت الحقيقة عنك.
أحمد ظل يحدق في الصورة.
ثم جاء صوت محمود
افتح الصندوق.
أحمد مد يده.
لكن قبل ما يفتحه...
انقطع التيار بالكامل.
وسمعوا صوت العمدة من السماعة
متفتحش الصندوق يا أحمد.
أحمد قال
ليه؟
العمدة رد
لأن أول حاجة هتشوفها جواه...
ثم سكت.
هتخليك تعرف مين كان السبب الحقيقي في اختفاء محمود.
أحمد نظر إلى الصندوق.
ثم وضع يده على الغطاء.
وببطء...
بدأ يفتحه رفع أحمد غطاء الصندوق ببطء.
الجميع تجمع حوله.
لكن بدل ما يلاقوا أموال أو مستندات، وجدوا مسجلًا صوتيًا قديمًا، ومجموعة صور، ومفتاحًا آخر.
أحمد أمسك المسجل.
كان عليه شريط واحد فقط.
مكتوب عليه
إلى أحمد... بعد سبع سنوات.
كريم قال
شغله.
أحمد ضغط الزر.
خرج صوت رجل مسن.
كان صوت والد أحمد.
يا ابني... لو بتسمع الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أوصل لك الحقيقة بنفسي.
أحمد تجمد.
الصوت تابع
محمود ماكانش ابني... لكنه كان ابني في كل حاجة مهمة.
محمود خفض رأسه.
كان أمانة عندي.
أحمد همس
أمانة؟
والده أكمل
الناس اللي كنا بنواجههم ماكانوش بيدوروا على فلوس.
توقف التسجيل لحظة.
ثم قال
كانوا بيدوروا على دليل.
أحمد قلب الصور بسرعة.
واحدة منها كانت لمجموعة رجال واقفين أمام السفينة.
وفي وسطهم...
والد أحمد.
وبجانبه العمدة.
لكن في آخر الصورة كان هناك شخص حاول أحدهم تغطية وجهه.
أحمد قرب الصورة من الضوء.
مين ده؟
محمود قال
ده الشخص اللي كنا بندور عليه.
كريم سأل
عرفتوا هويته؟
محمود هز رأسه
لا.
ثم أخذ الصورة.
قلبها.
وجدوا كتابة خلفها
هو موجود بينكم.
ساد الصمت.
أحمد قال
يعني الشخص ده لسه عايش؟
محمود رد
وأقرب مما تتخيل.
وفجأة...
جاء صوت من السماعة.
ليس صوت والد أحمد.
بل صوت امرأة.
كفاية.
الجميع التفت.
الحاجة ليلى شهقت.
إنتِ؟
لكن لم يكن هناك أحد.
الصوت خرج من جهاز صغير مخفي خلف الحائط.
المرأة قالت
إنتوا فتحتوا الصندوق قبل الوقت.
أحمد صرخ
إنتِ مين؟!
الشخص اللي كان بيحمي محمود.
محمود اقترب من الجهاز
ليه رجعتي؟
ردت
علشان انتهى الوقت.
كريم قال
وقت إيه؟
صمتت المرأة لثوانٍ.
ثم قالت
وقت إن محمود يفضل مستخبي.
أحمد سأل
يعني إيه؟
يعني لازم يخرج من السفينة الليلة.
محمود قال
ومين هيخرجه؟
ردت
الشخص اللي دخل السفينة علشان يدور عليه.
أحمد نظر إلى كريم.
ثم إلى ليلى.
العمدة؟
الصوت رد
لأ.
ثم أضافت
العمدة مجرد واجهة.
أحمد شعر بقشعريرة.
أمال مين؟
المرأة قالت
الشخص الحقيقي موجود معاكم من أول لحظة.
الجميع بدأ ينظر إلى بعضه.
كريم قال
إحنا كلنا كنا مع بعض.
فجأة...
انطفأ جهاز التسجيل.
وفي نفس اللحظة، سمعوا صوت باب حديدي يُفتح خلفهم.
استداروا.
كان هناك شخص واقف في الظلام.
لم يظهر وجهه.
لكنه قال بصوت هادئ
محمود...
محمود تجمد.
ثم قال
مستحيل.
الرجل تقدم خطوة نحو الضوء.
وأحمد بمجرد ما شاف وجهه...
عرفه.
كان عم عبده الجزار.
نفس الرجل اللي كانت الحاجة ليلى تشتري منه ستين كيلو لحمة كل يوم.
لكن عم عبده لم يكن يحمل سكينه هذه المرة.
كان يحمل...
الملف الأصلي الذي اختفى قبل سبع سنوات عم عبده وقف عند مدخل الغرفة، والملف في إيده.
كريم رفع سلاحه فورًا
حط الملف على الأرض!
لكن عم عبده ما اتحركش.
بص للحاجة ليلى وقال
أنا آسف يا حاجة.
ليلى قربت منه خطوة
إنت كنت عارف كل حاجة؟
هز رأسه.
مش كل حاجة.
محمود قال بحدة
كنت عارف إن أمي بتيجي هنا كل يوم.
أيوه.
وعارف إنها بتجيب الستين كيلو.
أيوه.
وسكت؟
عم عبده قال
لأنك إنت اللي طلبت مني أسكت.
ساد الصمت.
أحمد اقترب منه
إنت كنت بتساعد محمود؟
عم عبده نظر إليه.
كنت بحاول.
ثم رفع الملف.
لكن الملف ده مش بتاعي.
أحمد قال
أمال لمين؟
عم عبده ابتسم بحزن
لصاحب الملف.
محمود قال
إنت عارف مين هو.
أيوه.
قوله.
عم عبده لم يرد.
فجأة سمعوا صوت حركة خلفهم.
الحاجة ليلى استدارت.
لكن لم يكن هناك أحد.
ثم جاء صوت العمدة من السماعة
يا عم عبده... خلاص.
عم عبده أغلق عينيه.
كنت عارف إنك هتظهر.
أحمد التفت للسماعة
العمدة!
جاء صوته
أنا مش العدو يا أحمد.
أحمد صرخ
كفاية! اظهر!
العمدة قال
لو ظهرت، محمود مش هيخرج من هنا.
محمود رد
هو خرج أصلًا.
أحمد نظر إليه.
محمود كان واقفًا أمام باب جانبي مفتوح.
قال
في طريق تاني للخروج.
لكن عم عبده قال
متتحركش.
محمود وقف.
عم عبده فتح الملف.
قبل ما نخرج، لازم تعرفوا الحقيقة.
أحمد قال
قول.
عم عبده أخرج أول ورقة.
كانت صورة قديمة.
صورة لعم عبده نفسه...
واقفًا مع والد أحمد، والعمدة، ومحمود.
أحمد اتصدم
إنت كنت معاهم؟
عم عبده قال
أنا كنت أول واحد ساعد والدك.
ساعده في إيه؟
في حماية محمود.
الحاجة ليلى قالت
وليه كل ده كان لازم يحصل؟
عم عبده رد
لأن محمود اكتشف إن فيه حد من جوه القرية بيسرب كل خطوة بنعملها.
كريم سأل
مين؟
عم عبده قلب الورقة.
كان هناك اسم واحد مكتوب بخط واضح.
لكن قبل ما يقرأه...
انفتح باب الغرفة فجأة.
ودخل رجل مسرعًا.
كان أحد أفراد الشرطة الذين جاءوا مع أحمد.
قال وهو يلهث
يا فندم... لازم تطلعوا حالًا.
أحمد سأله
ليه؟
الرجل قال
العربية اللي جينا بيها اختفت.
كريم قطب حاجبيه
اختفت إزاي؟
ومش بس كده...
أشار إلى جهاز اللاسلكي.
كل الاتصالات انقطعت.
عم عبده بص
---
لأحمد وقال
دلوقتي فهمت ليه كنت ببيعك اللحمة كل يوم؟
أحمد قال
أنا؟ إنت بتبيع لمين؟
عم عبده رفع الملف.
كنت بشتري الوقت.
ثم فجأة...
رن هاتف الحاجة ليلى.
نظرت للشاشة.
لم يكن هناك رقم.
فقط كلمة واحدة
محمود.
فتحت المكالمة.
وسمع الجميع صوت محمود...
لكن محمود كان واقفًا أمامهم.
الصوت قال
ماما... متثقيش في محمود اللي واقف قدامك.
تجمد الجميع.
الحاجة ليلى بصت لمحمود.
ثم للصوت في الهاتف.
محمود نفسه قال
اقفلي التليفون.
لكن الصوت تابع
اللي قدامكم مش ابنك.
وفي نفس اللحظة...
عم عبده رفع الملف وقال
دلوقتي بس فهمت ليه محمود الحقيقي كان خايف يرجع.
أحمد نظر إلى الرجل الواقف أمامه.
ولأول مرة...
بدأ يشك فعلًا في هوية محمود محمود فضل واقف مكانه، وعينيه ثابتة على الحاجة ليلى.
ماما... بصيلي.
لكن ليلى رجعت خطوة لورا.
إنت محمود؟
ابتسم بحزن.
أنا ابنك.
جاء الصوت من الهاتف مرة أخرى
ما تصدقيهوش.
أحمد مد إيده وأخذ الهاتف من ليلى.
مين بيتكلم؟
الصوت رد
أنا محمود.
أحمد بص للرجل الواقف قدامه.
يبقى مين ده؟
صمت الصوت لحظات.
ثم قال
هو عارف الإجابة.
أحمد وجه نظره لمحمود.
قول.
محمود لم يتكلم.
كريم رفع سلاحه.
لو عندك تفسير، ده وقته.
محمود قال بهدوء
أنا كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي.
ثم أخرج من جيبه صورة صغيرة.
مدها لأحمد.
كانت صورة قديمة جدًا.
فيها شابان متشابهان بشكل لافت.
أحدهما محمود.
والآخر...
كان يشبهه إلى درجة مخيفة.
الحاجة ليلى أول ما شافت الصورة، شهقت
لا...
أحمد سألها
مين ده؟
قالت بصوت مرتجف
أخو محمود.
كريم قال
بس إنتِ قلتي إن محمود ابنك الوحيد!
ليلى أغمضت عينيها.
كنت مضطرة أقول كده.
أحمد نظر للصورة.
فين أخوه؟
محمود رد
مات من زمان.
الصوت في الهاتف قاطعه
كذاب.
محمود شد على أسنانه.
إنت عايز تلعب اللعبة دي؟ تمام.
ثم قال لأحمد
افتح الملف.
عم عبده وضع الملف أمامه.
أحمد فتح أول صفحة.
كان فيها اسمان.
محمود ليلى.
وتحته
يوسف ليلى.
ثم تاريخان مختلفان.
أحمد رفع رأسه
يوسف مين؟
ليلى بدأت تبكي.
ابني الأول.
كريم قال
وأين هو؟
ليلى لم تجب.
محمود قال
اختفى قبل ما أولد.
أحمد قلب الصفحة.
وجد صورة ليوسف.
ثم صورة لمحمود.
كان الشبه بينهما واضحًا.
لكن المفاجأة كانت في أسفل الصفحة.
مكتوب
تم تغيير الهوية.
أحمد قال
يعني إيه تغيير الهوية؟
عم عبده أخذ نفسًا عميقًا.
يعني واحد من الاتنين عاش باسم التاني.
سكت الجميع.
أحمد بص لمحمود.
ثم للصورة.
ثم للهاتف.
وفجأة جاء الصوت
دلوقتي قربت تفهم.
أحمد قال
مين فيكم محمود؟
لم يرد أحد.
الحاجة ليلى اقتربت من الرجل الواقف أمامها.
حدقت في عينيه طويلًا.
ثم قالت
عندي سؤال واحد بس.
محمود قال
اسألي.
إيه أول أكلة كنت بتحبها وأنا بطبخها لك وإنت صغير؟
تجمد محمود.
عم عبده خفض عينيه.
أحمد لاحظ ذلك.
مرّت ثوانٍ.
ثم قال محمود إجابة قصيرة.
لكن بمجرد ما سمعها...
انهارت الحاجة ليلى على الكرسي.
لأن الإجابة كانت غلط.
كريم رفع سلاحه فورًا.
وفي نفس اللحظة، جاء صوت الهاتف
ماما... أنا محمود الحقيقي.
ثم أضاف
واللي واقف قدامكم...
وتوقف لحظة.
هو الشخص اللي أخد مكاني من سبع سنين.
عم عبده أغلق الملف بسرعة.
كفاية.
أحمد أمسكه من كتفه
لا. دلوقتي مش هتسكت.
ثم سمعوا صوت خطوات تقترب من الممر.
خطوة...
ثم خطوة...
وبعدها ظهر رجل عند باب الغرفة.
كان يشبه محمود تمامًا.
لكن في إيده...
بطاقة هوية قديمة تحمل اسم محمود.
وقال
أنا محمود.
ثم أشار إلى الرجل الآخر.
وهو اللي عاش باسمي سبع سنين الغرفة اتجمدت.
الرجلان واقفين قدام بعض، شبه بعض لدرجة تخلي أي حد يحتار.
الحاجة ليلى بصت للاتنين، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم.
المقدم أحمد قال
ولا واحد فيكم يتحرك.
الرجل اللي دخل من الممر رفع بطاقة الهوية.
أنا محمود.
أما الرجل الآخر فصرخ
كذاب!
كريم وقف بينهما
كل واحد فيكم عنده دليل.
الرجل الأول أخرج من جيبه صورة قديمة.
دي صورتي قبل سبع سنين.
الثاني قال
والصورة دي ممكن تتعمل.
أحمد بص للحاجة ليلى
إنتِ أمهم. أكيد تعرفي.
ليلى هزت رأسها وهي تبكي
أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي...
ثم اقتربت من الرجلين.
وضعت يدها على وجه الأول.
ثم الثاني.
وسألت الأول
إنت فاكر يوم ما وقعت من فوق السطح وأنا خيطتلك إيدك؟
رد فورًا
كنت عندي تسع سنين.
ليلى بصت للثاني.
سألته نفس السؤال.
قال
كنت عندي عشر سنين.
ليلى تراجعت.
كريم قال
يعني واحد فيهم صح.
لكن عم عبده قال
مش بالضرورة.
أحمد التفت له
إيه قصدك؟
عم عبده فتح الملف مرة أخرى.
لأن الاتنين كانوا موجودين.
ثم أخرج ورقة قديمة.
قبل سبع سنين، محمود ويوسف بدّلوا هوياتهم لفترة قصيرة علشان يهربوا من اللي كانوا بيدوروا عليهم.
أحمد قال
طيب مين اللي اختفى؟
عم عبده أشار إلى الصورة.
يوسف.
الرجل الأول قال بسرعة
أنا محمود.
والثاني قال
وأنا كمان محمود.
الحاجة ليلى بدأت تصرخ
كفاية!
ثم أمسكت رأسها.
أنا مش قادرة.
محمود الأول اقترب منها
ماما، أنا ابنك.
لكنها رفعت يدها تمنعه.
اسكت.
الجميع سكت.
ليلى أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت
في حاجة واحدة محدش يعرفها غير ولادي.
الاثنان انتبهوا.
محمود كان عنده ندبة صغيرة خلف أذنه.
الأول لمس خلف أذنه.
لم تكن هناك ندبة.
أما الثاني...
فتراجع خطوة.
الحاجة ليلى اقتربت منه.
أزاحت شعره بيد مرتعشة.
وجدت الندبة.
صرخت
محمود!
وانهارت .
الرجل ضمها وهو يبكي.
سامحيني يا أمي.
أحمد نظر للرجل الآخر.
إنت مين؟
الرجل ظل ساكتًا.
ثم قال
أنا يوسف.
كريم رفع سلاحه
ليه عشت باسم أخوك كل السنين دي؟
يوسف رد
علشان أخويا كان لازم يختفي.
أحمد قال
مين كان بيطارده؟
يوسف نظر إلى عم عبده.
ثم إلى العمدة الغائب.
نفس الشخص اللي كان بيحرك كل حاجة من البداية.
أحمد سأله
مين؟
يوسف ابتسم ابتسامة حزينة.
الشخص اللي كان معاكم في كل خطوة.
كريم نظر حوله.
مين؟
يوسف رفع إصبعه ناحية أحمد.
هو.
ساد الصمت.
أحمد اتصدم
أنا؟
يوسف قال
مش إنت الحالي.
ثم أضاف
النسخة اللي كانوا عايزينك تصدق إنك كنتها.
أحمد لم يفهم.
لكن قبل ما يسأل...
اشتغل جهاز التسجيل وحده.
وخرج صوت والد أحمد
يا ابني، لو وصلت للحظة دي، افتكر حاجة واحدة...
توقف التسجيل.
ثم عاد
أنت ما فقدتش ذاكرتك بالكامل.
أحمد بدأ يشعر بدوار شديد.
صور قديمة اندفعت في رأسه.
والده.
محمود.
يوسف.
العمدة.
عم عبده.
ثم وجه امرأة لم يرها من قبل.
كانت واقفة بجواره في السفينة.
والمرأة قالت
أحمد، لازم تنسى اللي شفته الليلة.
فتح أحمد عينيه فجأة.
وقال
أنا فاكرها.
عم عبده تغير وجهه.
يوسف همس
مين؟
أحمد قال
هي كانت السبب في كل حاجة.
وفي نفس اللحظة...
صدر صوت باب يُفتح في أعلى السلم.
ثم جاءت امرأة تنزل ببطء.
الجميع رفع أسلحته.
وعندما ظهرت في الضوء...
الحاجة ليلى شهقت.
لأنها كانت تعرفها.
وقالت
إنتِ؟!
المرأة ابتسمت وقالت
أخيرًا... أحمد افتكرني المرأة فضلت واقفة على آخر درجة.
ولا حد اتكلم.
أحمد كان بيبص لها وكأنه بيحاول يفتكر كل تفصيلة في وشها.
قال بصوت منخفض
إنتِ...
ابتسمت.
أيوه. أخيرًا افتكرت.
الحاجة ليلى رجعت خطوة للخلف.
إنتِ كنتِ مع محمود ليلة اختفائه.
المرأة ردت
كنت معاه.
محمود قرب منها
وإنتِ اللي كنتِ بتبعتي الرسائل؟
بعضها.
يوسف قال بغضب
والباقي؟
نظرت إليه.
كان لازم حد تاني يكمل.
أحمد رفع سلاحه
كفاية ألغاز. إنتِ مين؟
قالت
اسمي ناهد.
عم عبده شهق بمجرد سماع الاسم.
أحمد لاحظ ذلك.
إنت تعرفها؟
عم عبده سكت.
أحمد كرر
عم عبده، أنا بسألك.
قال بصوت متردد
ناهد كانت آخر شخص اتكلم مع والدك قبل ما يختفي.
أحمد اتجمد.
أبويا اختفى؟
عم عبده قال
أبوك ما ماتش زي ما قالوا لك.
الغرفة سكتت.
أحمد قرب منه
إنت بتقول إيه؟
ناهد قالت
والدك كان حيًا بعد الحادث.
أحمد بدأ يتنفس بصعوبة.
فينه؟
ناهد لم تجب.
محمود قال
إنت وعدتيني.
ناهد بصت له.
وعدتك إني هحميك.
مش على حساب أمي.
أنا ما أذيتش أمك.
الحاجة ليلى قاطعتها
لكن خليتيني أعيش سبع سنين وأنا فاكرة إن ابني مات!
ناهد اقتربت منها.
لو كنتِ عرفتي إنه حي، كانوا هيعرفوا مكانه.
ليلى قالت
مين؟
ناهد ردت
الشخص اللي كان بيدور على الملف.
أحمد رفع الملف.
الملف ده؟
ناهد هزت رأسها.
ده مجرد نسخة.
كريم قال
والأصل؟
ناهد نظرت إلى أحمد.
مع والدك.
أحمد تجمد.
يعني أبويا لسه عايش؟
ناهد لم تجب.
لكن نظرتها كانت كفاية.
أحمد اندفع نحوها
فينه؟!
ناهد قالت
لو قلت لك، هتخرج من هنا وتروح له.
أيوه.
وده بالضبط اللي مستنيه.
كريم قال
مين؟
ناهد بصت للساعة القديمة المعلقة على الحائط.
الشخص اللي بعتلكم كل الإشارات.
ثم سمعوا صوت محرك سيارة فوق الأرض.
الجميع سكت.
عم عبده اقترب من النافذة الصغيرة.
بص للخارج، ثم رجع ووشه متغير.
أحمد سأله
في إيه؟
قال
في عربيتين عند السفينة.
كريم
شرطة؟
عم عبده هز رأسه.
لأ.
ناهد قالت بسرعة
لازم نمشي.
أحمد رفض
مش قبل ما أعرف الحقيقة.
ناهد قربت منه ومدت له ورقة صغيرة.
الحقيقة مكتوبة هنا.
فتحها.
كان فيها عنوان مكان.
وتحته جملة واحدة
لو عايز تقابل والدك، تعال لوحدك قبل منتصف الليل.
أحمد رفع عينيه.
ده فخ.
ناهد قالت
أكيد فخ.
وأنتِ عايزاني أروح؟
لأ.
ثم أشارت إلى محمود ويوسف والحاجة ليلى.
أنا عايزاهم يخرجوا من هنا.
فجأة دوّى صوت إطلاق نار في الخارج.
الجميع انخفض على الأرض.
كريم صرخ
الكل ورا الحائط!
طلقة ثانية اخترقت النافذة.
ناهد قالت
وصلوا.
أحمد أمسك الملف.
مين؟
ناهد بصت له بخوف لأول مرة.
الناس اللي محمود هرب منهم سبع سنين.
ثم أضافت
والنهارده... مش جايين علشان محمود.
سألها أحمد
أمال جايين علشان مين؟
نظرت إليه.
جايين علشانك إنت.
وفجأة انفتح باب السفينة بعنف.
وصوت رجل من الخارج صاح
يا حضرة المقدم أحمد!
ثم قال
أبوك بعت لك سلامه.
أحمد تجمد.
لأن الصوت...
كان صوت والده أحمد فضل واقف قدام أمه، مش قادر يستوعب.
إنتِ دخلتي الغرفة دي؟
الحاجة ليلى كانت ساكتة.
أمي... أنا بسألك.
رفعت عينيها أخيرًا.
أيوه.
كريم قال
وإيه اللي كان جواها؟
ليلى مسحت دموعها.
ذكريات.
أحمد هز رأسه
مش كفاية.
ليلى قالت
كان فيها كل حاجة أبوك خبّاها عنك.
محمود قرب
ماما، لازم نقوله.
ليلى بصت له
مش هنا.
أحمد قال
ليه؟
ناهد ردت
لأن اللي بره لسه مستني.
وفجأة سمعوا صوت سيارة تقترب من السفينة.
عم عبده بص من النافذة.
في عربيات زيادة.
كريم قال
لازم نتحرك.
أحمد أمسك الملف
هنروح البيت.
محمود قال
أنا جاي معاك.
يوسف
وأنا.
أحمد بص لهم
محدش هيتحرك لوحده.
ناهد قالت
أنا كمان هاجي.
كريم سألها
إنتِ واثقة إن البيت آمن؟
ناهد ردت
مش آمن.
ثم أضافت
بس الحقيقة هناك.
خرجوا من السفينة من ممر خلفي.
ولأول مرة، لاحظ أحمد شيئًا غريبًا.
عم عبده لم يخرج معهم.
رجع أحمد
عم عبده فين؟
الحاجة ليلى قالت
هو اختار يفضل.
ليه؟
علشان يأخرهم.
أحمد حاول يرجع، لكن كريم أمسكه
لو رجعت، كل اللي عمله هيضيع.
ركبوا السيارة واتجهوا ناحية القرية.
طوال الطريق، لم يتكلم أحد.
حتى وصلوا إلى بيت أحمد القديم.
كان البيت مظلمًا.
والباب الخارجي مفتوح.
أحمد نزل ببطء.
الباب كان مقفول.
محمود قال
حد دخل قبلنا.
دخلوا.
الأثاث كما هو.
الغبار على الطاولات.
لكن في الصالة كانت هناك صورة قديمة مقلوبة على الأرض.
أحمد رفعها.
كانت صورة عائلية.
هو صغير.
والده.
وأمه.
ورجل آخر واقف بعيدًا.
أحمد قرب الصورة من الضوء.
مين ده؟
ليلى قالت
صاحب البيت.
أحمد استغرب
ده بيتنا.
ليلى سكتت.
ناهد قالت
مش كل الحقيقة في الصورة.
أحمد بدأ يفتش الجدران.
وبعد دقائق لاحظ علامة صغيرة خلف مكتبة قديمة.
حركها.
ظهر باب مخفي.
كريم قال
الغرفة.
أحمد وضع يده على المقبض.
لكن الباب كان مقفولًا.
الحاجة ليلى أخرجت مفتاحًا صغيرًا من جيبها.
أحمد نظر إليها.
كنتِ محتفظة بالمفتاح؟
من سبع سنين.
فتح الباب.
الغرفة كانت صغيرة.
وفيها مكتب قديم.
فوق المكتب صندوق خشبي.
وعلى الحائط عشرات الصور.
لكن واحدة منهم جعلت أحمد يتوقف.
كانت صورة له وهو طفل...
واقف بجوار رجل لم يكن والده.
وتحت الصورة مكتوب
أول لقاء مع الأخ.
أحمد قال
أنا قابلت الشخص ده قبل كده.
محمود قال
أيوه.
أحمد التفت إليه.
إمتى؟
محمود أشار إلى الصورة.
قبل ما تعرف إن عندك أخ.
أحمد فتح الصندوق.
وجد بداخله رسالة.
فتحها.
كان خط والده.
قرأ
يا أحمد، الحقيقة مش إن ليك أخ...
توقف.
ثم أكمل
الحقيقة إنك طول عمرك كنت بتعيش باسم شخص آخر.
وقع القلم من يد أحمد.
كريم قال
يعني إيه؟
أحمد قلب الورقة.
وكان خلفها سطر واحد
لو عرفت الحقيقة، هتعرف مين مات في اليوم اللي اختفى فيه محمود.
وفجأة...
جاء صوت من خلف الباب.
أنا أقدر أقولك.
الجميع استدار.
كان عم عبده واقفًا هناك.
لكن ملابسه كانت ممزقة، ووجهه عليه آثار تراب.
الحاجة ليلى جريت نحوه
إنت كويس؟
قال
أنا كويس.
ثم نظر لأحمد.
بس لازم تعرف حاجة قبل ما تفتح الصندوق التاني.
أحمد سأله
إيه؟
عم عبده قال
الشخص اللي مات من سبع سنين...
وسكت.
ثم أضاف
مش محمود.
أحمد تجمد.
أمال مين؟
عم عبده نظر للحاجة ليلى.
وقالت هي بصوت مكسور
أبوك أحمد اتجمد مكانه.
صوت والده كان واضحًا جدًا.
نفس النبرة.
نفس الهدوء.
نفس الطريقة اللي كان بيناديه بيها وهو صغير.
أبويا؟!
ناهد قربت منه بسرعة
ما تخرجش.
أحمد قال
ده صوت أبويا.
عارفة.
إزاي عارفة؟!
ناهد سكتت.
ثم قالت
لأنهم سجلوا صوته من زمان.
أحمد بص لها بصدمة.
يعني ده تسجيل؟
وقبل ما تجاوبه، جاء الصوت من الخارج مرة أخرى
أحمد... لو سامعني، افتكر كلامي.
أحمد قرب من الباب.
ناهد مسكته
متسمعش.
لكنه قال
أنا لازم أعرف.
الصوت تابع
محمود مش عدوك.
أحمد بص لمحمود.
ثم جاء الصوت
ويوسف كمان مش عدوك.
يوسف رفع رأسه.
ثم قال الصوت
لكن الشخص اللي معاكم...
توقف التسجيل لحظة.
الجميع بص لبعض.
ثم جاء آخر جزء
هو اللي خاننا.
انقطع الصوت.
أحمد قال
مين؟
لا أحد أجاب.
فجأة سمعوا خطوات فوق سطح السفينة.
ثم صوت عم عبده
الناس دخلت.
كريم أعطى أوامره للشرطة
اقفلوا الممرات!
ناهد قالت
مفيش وقت.
أحمد
فين المخرج؟
محمود أشار إلى باب جانبي
من هنا.
اندفعوا ناحية الباب.
لكن قبل أن يفتحه محمود، وجد ورقة مثبتة عليه.
نزعها.
قرأها.
وتغير وجهه.
أحمد سأله
في إيه؟
محمود ناوله الورقة.
كان مكتوبًا
محمود وحده يخرج.
وتحتها
أما أحمد... فيبقى.
كريم قال
ده معناه إنهم عارفين كل تحركاتنا.
ناهد ردت
مش بس عارفين.
ثم نظرت إلى أحمد.
حد من جوه كان بيبلغهم.
أحمد قال
مين؟
ناهد لم ترد.
في اللحظة نفسها، سمعوا صوتًا خلفهم.
أنا.
استدار الجميع.
كان أحد رجال الشرطة واقفًا وحده في الممر.
يده كانت في جيبه.
كريم رفع سلاحه
طلع إيدك!
الرجل ابتسم.
اتأخرتوا.
أحمد بص له بدهشة
إنت كنت معانا من أول ما دخلنا السفينة.
أيوه.
إنت اللي كنت بتبعت لهم المعلومات؟
الرجل لم ينكر.
كنت بنفذ أوامر.
كريم قال
مين أوامرك؟
الرجل أخرج هاتفًا.
ضغط على الشاشة.
ثم مد الهاتف لأحمد.
كان هناك تسجيل فيديو.
ضغط تشغيل.
ظهر رجل جالس في مكان مظلم.
وجهه لم يكن واضحًا.
لكن صوته...
كان صوت والد أحمد.
قال
يا ابني... لو وصلت للفيديو ده، يبقى لازم تعرف إن كل اللي حصل كان علشان أحميك.
أحمد قرب من الشاشة.
ثم سمع الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقه
لكن فيه حاجة واحدة محدش قالهالك...
توقف الفيديو لحظة.
ثم ظهر الوجه بوضوح.
أحمد شهق.
الحاجة ليلى وضعت يدها على فمها.
محمود تراجع خطوة.
لأن الرجل الموجود في الفيديو...
لم يكن والد أحمد.
كان شخصًا يشبهه تمامًا.
ثم قال الرجل أمام الكاميرا
أنا أخوك.
وانطفأت شاشة الهاتف.
ساد الصمت.
أحمد همس
أخويا؟
لكن قبل أن يرد أحد...
انفجرت لمبة الممر.
ودخل رجل من الباب الخلفي.
كان يحمل حقيبة سوداء.
وقال
دلوقتي عرفتوا نص الحقيقة.
ثم أغلق الباب خلفه.
والنص التاني...
نظر إلى أحمد.
موجود في البيت اللي عشت فيه طول عمرك.
أحمد تجمد.
لأن الرجل أضاف
والدك كان مخبي فيه غرفة كاملة... ومحدش دخلها من سبع سنين.
ثم ابتسم.
إلا أمك.
الحاجة ليلى شهقت.
أحمد استدار إليها ببطء.
أمي؟
ليلى لم تستطع النظر في عينيه.
وهنا فهم أحمد...
إن أكبر سر في حياته لم يكن داخل السفينة أصلًا.
كان داخل
---
بيته أحمد فضل واقف مكانه.
أبويا مات؟
عم عبده هز رأسه.
أيوه.
أحمد بص لأمه
وإنتِ كنتِ عارفة؟
الحاجة ليلى بكت.
كنت عارفة إنه مات... لكن ماكنتش عارفة الحقيقة كاملة.
محمود قال
أبوك مات وهو بيحاول يحمينا.
أحمد رد بعصبية
من مين؟!
قبل ما حد يجاوب، سمعوا صوت حركة في الخارج.
كريم اتجه للنافذة.
في عربيات وقفت قدام البيت.
ناهد قالت
هم وصلوا.
أحمد قال
مين هم؟
ناهد بصت له
الناس اللي أبوك كان بيحاول يمنعهم.
ثم أشارت للصندوق.
افتحه.
أحمد فتح الصندوق.
وجد بداخله دفتر صغير.
أول صفحة كانت تحمل اسم والده.
وفي الصفحة الثانية...
قائمة أسماء.
أسماء من القرية.
بعضها كان عليه علامة.
وبجوار آخر اسم كانت هناك جملة
الخطر الحقيقي من داخل البيت.
أحمد قلب الصفحة.
وجد صورة لوالده مع شخص يقف بجواره.
رفع الصورة.
وتجمد.
كان الشخص هو...
العمدة.
لكن خلف الصورة كان مكتوبًا
كان يظن أنه يحميني.
كريم قال
يعني العمدة كان مع والدك؟
عم عبده قال
في البداية.
وبعدين؟
اختلفوا.
أحمد سأل
على إيه؟
عم عبده قال
على محمود.
محمود تقدم
أبوك كان عايز يخرجني من القرية.
أحمد بص له.
ليه؟
علشان كان عارف إنهم هيستخدموني للوصول لك.
أحمد عقد حاجبيه.
أنا؟
محمود هز رأسه.
أيوه.
ناهد قالت
أبوك كان عنده دليل يثبت مين اللي كان بيمول الشبكة.
أحمد سأل
مين؟
ناهد نظرت إليه.
شخص قريب منك.
قبل ما تكمل...
انطفأت أنوار البيت.
ثم سمعوا صوت كسر زجاج.
كريم صرخ
الكل على الأرض!
أحمد احتضن أمه.
محمود وقف أمامها.
ويوسف أغلق باب الغرفة.
لكن وسط الظلام، جاء صوت هادئ من الصالة
أحمد.
الجميع سكت.
الصوت تابع
أنا مش جاي أؤذيك.
أحمد رفع صوته
اظهر!
أضاء شخص مصباحًا صغيرًا.
ظهر رجل واقف في الصالة.
أحمد اتصدم.
كان العمدة.
لكنه كان مصابًا وينزف من ذراعه.
كريم رفع سلاحه
حط إيدك فوق!
العمدة قال
لو كنت جاي أقبض عليكم، ماكنتش هاجي لوحدي.
أحمد اقترب
إنت اللي ورا كل ده؟
العمدة هز رأسه
لأ.
ثم أخرج ورقة من جيبه.
دي آخر رسالة من أبوك.
أحمد أخذها.
فتحها.
وكان أول سطر
يا أحمد، لو العمدة وصل لك، يبقى هو آخر شخص تقدر تثق فيه.
أحمد رفع عينيه.
العمدة قال
كمّل.
أحمد قرأ
لكن لو جه مصاب... اسمعه قبل ما تحكم عليه.
العمدة ابتسم بحزن.
أبوك كان عارف إني هخونهم في الآخر.
كريم قال
تخون مين؟
العمدة رد
الناس اللي كنت بشتغل معاهم.
أحمد قال
وليه دلوقتي؟
العمدة نظر إلى الباب.
لأنهم عرفوا إنكم فتحتم الغرفة.
ثم اقترب من أحمد.
وعايزين الصندوق.
أحمد سأله
إيه اللي جواه؟
العمدة قال
دليل يقدر يغيّر مصير القرية كلها.
وفجأة...
جاء صوت طرق على الباب.
ثلاث طرقات.
ثم صوت رجل
يا عمدة...
تغير وجه العمدة.
متفتحوش.
الصوت من الخارج قال
إحنا عارفين إنك جوا.
ثم جاء صوت آخر.
صوت امرأة.
الحاجة ليلى أول ما سمعته...
اتجمدت.
وقالت
دي... أختي.
أحمد بص لها بدهشة.
خالتك؟
ليلى هزت رأسها.
أيوه.
ثم جاء الصوت من خلف الباب
يا ليلى... افتحي.
لكن ليلى ردت بصوت مرتجف
إنتِ ماتِتِ من عشرين سنة.
ساد الصمت.
ثم جاء الرد من الخارج
كنتِ فاكرة إني مت؟
وأحمد فهم أن السر الحقيقي لم يكن في محمود وحده...
بل في عائلة أمه نفسها لم تستطع الحاجة ليلى أن تتحرك.
صوت أختها من خلف الباب كان كافيًا ليعيد إليها عشرين سنة من الخوف.
قالت بصوت مرتجف
إنتِ ماتِتِ قدامي.
جاء الرد
اللي مات كان لازم يموت علشان الباقيين يعيشوا.
العمدة بص لأحمد وقال
دلوقتي لازم تعرف كل حاجة.
فتح الصندوق الأخير.
كان بداخله دفتر قديم، وصور، وتسجيلات تثبت أن والد أحمد ومحمود وعم عبده كانوا يحاولون كشف مجموعة تستغل أهل القرية وتبتزهم بالمعلومات، وأن وفاة والد أحمد كانت حادثًا أثناء محاولته حماية الأدلة.
أما محمود، فلم يمت.
هو اختفى بإرادته، وظل سبع سنوات بعيدًا حتى لا يصلوا إليه.
والستون كيلو من اللحمة لم تكن لغرض مرعب كما ظن أهل البلد؛ كانت وسيلة لإيصال الطعام للأسر المحتاجة، وفي الوقت نفسه تمرير الرسائل بين الأشخاص الذين كانوا يساعدون محمود.
أما المرأة التي ظن الجميع أنها خالة ليلى، فكانت تعرف جزءًا من الحقيقة، وعادت بعد سنوات لتسليم آخر دليل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الدفتر.
وجد أحمد آخر صفحة بخط والده
يا أحمد، لو وصلت للنهاية، اعرف إن أعظم انتصار مش إنك تنتقم... لكن إنك تمنع اللي حصل من إنه يتكرر.
أحمد أغلق الدفتر.
وبعدها بساعات، وصلت قوة أخرى من الشرطة، وتم القبض على الأشخاص المتورطين، واستُعيدت الملفات والأدلة.
أما العمدة وعم عبده وناهد، فقد شهدوا بكل ما يعرفونه.
الحاجة ليلى أخيرًا عرفت أن ابنها محمود كان حيًا طوال هذه السنوات.
ولأول مرة منذ سبع سنين...
جلست معه على سفرة واحدة.
وضعت أمامه طبق اللحمة.
وقالت وهي تضحك وسط دموعها
كل يا ابني... المرة دي مش هخليكي تستنى سبع سنين.
محمود ابتسم وقبل يدها.
أما أحمد، فوقف عند باب البيت ونظر إلى صورة والده.
ثم قال
سامحتك يا أبي... دلوقتي فهمت ليه عملت كل ده.
ومن يومها، اتقفلت السفينة المهجورة نهائيًا.
والقرية بطلت تتكلم عن الحاجة ليلى باعتبارها الست اللي بتشتري ستين كيلو لحمة كل يوم.
بقت بالنسبة لهم...
الأم اللي فضلت سبع سنين تحمي سر ابنها، لحد ما رجع سالم .
والأغرب؟
بعد أشهر، رجع عم عبده يفتح محل الجزارة كالمعتاد.
وفي صباح هادئ، دخلت الحاجة ليلى.
عم عبده ابتسم وقال
ستين كيلو كالعادة؟
ضحكت وقالت
لأ يا عم عبده... النهارده كيلو واحد بس.
سألها
ليه؟
ابتسمت وهي تخرج النقود من كيسها القديم
علشان محمود رجع... ومبقاش محتاج أستخبى.
وانتهى السر الذي أرعب القرية سبع سنوات...
لكن فضل سؤال واحد من غير إجابة
من الذي أرسل أول رسالة إلى محمود قبل كل شيء؟
لأن الرسالة كانت موقعة باسم شخص...
لم يكن أحد يعرفه أصلًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق